الفصل الاخير

نزار عبد الغفار السامرائي

محادثتي الاخيرة مع عامر كاظم مطلك كانت تتعلق بكتابة الفصل الاخير من رسالته للماجستير والمعنونة (الشعبوية في البرامج الحوارية) والتي اشرف عليها.. حدثني عن الاشكالات التي يواجهها، وطلبت منه ان يفرغ الحوار لكل حلقة على الورق بالكامل حتى يتسنى له تحليل حديث مقدم البرنامج وضيوفه.. المحادثة كما اعتدنا في كل مرة لا تخلو من القفشات والسؤال عن اخبار الاصدقاء في العمارة.. و كما اعتدت ان ارسل اليه المصادر التي يحتاجها لكتابة المباحث، فيرد علي بمجموعة من الكتب الحديثة التي حصل عليها…

ورغم اني اشعر احيانا بأني اتشدد بملاحظاتي وطلباتي منه في تعديل ما كتب، بحذف او اضافة، غير انه يعلم ان ما يدفعني لهذا هو الحرص على ان ينجز رسالته بالشكل الذي يتمنى ان تكون عليه.. لذلك كان يتقبل كلّ شيء بهدوء وصبر وابتسامة.. ثم يقول انكم لا ترضون على شيء ” لازمينا من بلعومنا ما تخلونه نحوس”.. وحين اخبره ان الوقت ليس له كله فهناك طلاب اخرين في الانتظار يجيبني بعفويته ولهجته العمارية المحببة” انا الاول المفروض الي الاسبقية..وأنا اخوك” !! فاوعده خيرا..

و تواعدنا ان نتحدث بعد يوم عن انجاز الفصل الاخير..

مرّ النهار وكنت منشغلا بانجاز اعمال عدة، وحين عدت الى البيت في ساعة متأخرة من الليل ذهبت لتصفح الفيسبوك والرسائل كما اعتدت قبل ان ابدأ بالكتابة ..واذا بمنشور  للاديب جمال جاسم امين تكاد كلماته تذرف الدموع وهو ينعى عامر كاظم.. يا ألهي من عامر هذا الذي ينعاه جمال؟! ايعقل أن يكون ؟

تركت كل شيء ورحت ابحث عن صفحته على الفيسبوك، فاذا صورته تطالعني بابتسامته المعهودة، وهدوءه … ولكن الكلمات لم تكن له ..

عرفت ان نهاية الفصل الاخير قد اكتملت ولكن لم يكتبها (ابا ياسر) بنفسه بل سطرها ادباء ومثقفو ميسان الذين عرفوا ان المدينة فقدت احد شخصياتها الثقافية المهمة.. لم يكن الفصل الاخير (شعبويا) بل وثقته كلمات النخبة، بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، واعمارها … حتى اولئك الشباب الذين تمردوا على من سبقهم كان يرونه مميزا ويرتبطون بصداقة طيبة معه.. يكتب صلاح حسن جابر ” بموته ثلم من وعي العمارة ثلمة من الصعب ان تسد او تعوض..” ويكتب د.علي الفكيكي ” انت المراية الوحيدة ال ماطلعلي الشيب بيها..”  ويرثيه جمال جاسم امين قائلا ” خذلتنا بموتك يا عامر …هلا تريثت! انت تدري بمحنتنا، نحن اقل من القليل وكنت اكثرنا! هل ارثي وضوحك النادر.. كنت انصحك بالهدوء وانت تغذ السير…”

وتترادف الكلمات وعلى مدى اليومين الفائتين لم يكن لدي غير ان اراجع ما كتبه الاخرون في الفصل الاخير .. وانت ترحل مخلفا اوراقك وكلماتك وآمالا كبيرة .. وبدلا من ان نتوجه الى شمال ايران كما وعدتني عند الانتهاء من مناقشة رسالة الماجستير .. ذهبت وحيدا الى مقبرة السلام. تتبعك قصيدة الشاعر مهند عبد الجبار:

أهَكذَا ..

مِن غَيرِ مُقدماتٍ تُذكر

أو تَلويحةِ وداعٍ على الأقَل

غَادرتنَا سَريعاً يا أبا يَاسرٍ

دُونَ أن تَرزمَ ، حَتى أحلامُكَ المُقدسة ؟!

أ كُنتَ على موعدٍ مع المَلائكةِ ؟

أم الجنةُ هي مَنْ اِحتاجتكَ لِيكتملَ النصاب ؟

بتاريخٍ مُستَعرٍ

لا نَعرِفُ كَيفَ نُخمدُ القُلوب الحَرى؟!

كَالنزفِ فَقدناكَ سَريعاً

فَروَّعَنا زَحفُ المُفاجآتِ

أبا يَاسرٍ بكُلِّ تأكيدٍ مَحفوظةٌ مكانتُكَ

عاليةٌ تَتلألَأ بَين النجوم

أما الغيثُ فَلا نَراهُ يَتجدَدُ

لهذا كالبرقِ خَطفكَ مِنْ بَينِ أعيُنِنا

رَيبُ المَنون

أبا يَاسرٍ …

مَعَ رَكبِ الظلامِ

خَبرُكَ المُدوي هَزَ أعمارَنا

لا أسفٌ على هذهِ الحياةِ المَشلولةِ

مادُمتَ قَد التحقتَ بسربِ النُبلاءِ

فابتسامتكَ الخالدة ..

أنجزت المُهمةَ على أكملِ وَجهٍ

وسَتكونُ شامخةً بدلَ الشاهدة

لِتُحطمَ أُسطورةَ النَفَسِ الأخيرِ

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى