
الفريق الحكومي للخدمات.. مدينة بلا رصيف مدينة بلا هوية
إبراهيم الخليفة
ورد مؤخرا على مواقع التواصل الإجتماعي أمر او توجيه السيد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بتشكيل فريق حكومي للخدمات ، ومما جاء فيه..” رئيس الوزراء يوجه بإطلاق مهام الفريق الحكومي للخدمات بمختلف صنوفها في العاصمة بغداد وسيعمل على الاستجابة لمطالب المواطنين لقطاع الخدمات، وفق الأولويات من خلال العمل الميداني المستمر، الفريق الحكومي سيشرك المواطنين في عملية تقييم إنجازات الدوائر الخدمية المعنية ومستوى اداء مسؤوليها”.لاشك ان التجاوز على الارصفة في المحلات السكنية يُعد أحد العراقيل التي ستواجه الفريق الحكومي في أداء مهمته لما لهذه الظاهرة من انعكاسات سيئة على حياة المواطنين تتطلب المعالجة الحاسمة.
جلب هذا الخبر أهتمام المتلقين أو المتابعين لتلك المواقع ، إنطلاقا من حقائق باتت تؤرق المواطن البغدادي بل حتى سكان المحافظات، على سبيل المثال، لا الحصر هي ظاهرة الاستحواذ على الرصيف وتأثير ذلك سلبا على قطاع البُنى التحتية للمدينة الخربة في الاساس ، والتي تعاني من كثافة سكانية وحشر مجتمعي خارج عن امكانيات استيعابها ، خاصة بعدما نمت وتجذرت هذه الخروقات ، اي خروقات، التجاوز على الرصيف و استملاكه من قبل البعض بعد عام 2003 ، حتى أخرجتها عن التصنيفات العالمية التي يفترض أن تتصف بها كل مدينة من حيث مؤهلات السكن الصحيحة وفق معايير المنظمات المعنية ، وخاصة أن كانت هذه المدينة مثل بغداد، لها الثقل التاريخي والديني والثقافي، مقابل إهمال شبه متعمد من الجهاز التنفيذي البلدي .
تهدف هذه المقالة إلى جلب انتباه الفريق الحكومي الخدمي لهذه الظاهرة السيئة وغير الحضارية وغير الإنسانية افقدت بغداد هويتها المألوفة ، هي ظاهرة التجاوز على الأرصفة، ليس في الأسواق التجارية التي تم تحجيمها إلى حدِ ما في حملة بدأتها حكومة الكاظمي، واقترنت باستشهاد مدير بلدية كربلاء المهندس عبير الخفاجي بتاريخ 10 آب/أغسطس2021، بل على شيوع وتنامي ثقافة استملاك الرصيف وبالتحديد في المحلات السكنية والتي أصبحت تهدد باختفائه في المدن العراقية، بل اختفى فعليا في كثير من الازقة والاحياء، وتأتي العاصمة بغداد في المقدمة.
الرصيف يؤدي وظيفة إنسانية:
معلوم ان الرصيف وجد في التصميم الأساس لأي مدينة ، لخدمة العديد من الظواهر والوظائف الإنسانية ،الخدمية ،الجمالية والبيئية ، ويمكن ان نعرج على البعض من هذه الحقائق أو الظواهر، فمن الناحية الإنسانية ، وُجد لهدف مهم وسامي وحساس وخطير في نفس الوقت، وهو تأمين سير آمن للمواطنين من مختلف الأعمار صغارا وكبارا، فاقدي البصر ومبصرين، مرضى ومتعافين ومن ذوي الاحتياجات الخاصة و أصحاء الابدان، بل هو حق دستوري غائب ، بينما خصص الشارع لسير المركبات والدواب وما شاكل ذلك .
وظيفة جمالية وبيئية:
أما الوظيفة الاخرى التي وجد من اجلها الرصيف هي وظيفة جمالية وبيئية، واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار وجود الرصيف يضفي لمسة جمالية وعمرانية وهندسية لأي حي سكني ،فله في ذات الوقت منفعة بيئية، اذ يمكن استثماره لزراعة الاشجار التي تؤدي عدة مهام منها تلطيف البيئة من خلال امتصاص ثاني اوكسيد الكاربون، وطرح الاوكسجين اي التخفيف من التلوث التي تعاني منها مدننا وخاصة بغداد، زيادة التشجير التي تظفي البهجة على النفوس ، وتسر الناظرين وتقلل من درجات حرارة في الصيف .
وظائف خدمية:
والوظيفة الثالثة التي يؤديها الرصيف هي خدمية حيث تستخدمه الدوائر المعنية لإمداد كابلات الكهرباء، الاتصالات، مواسير الصرف الصحي، و الأنترنت وما إلى غير ذلك.
إن تفشي ثقافة الاستحواذ على الرصيف في المحلات السكنية تجاوزت المنطق ،واصبحت الكثير من الأحياء تفتقد لمفهوم الرصيف ، ولم تعد هذه الظاهرة على الأحياء الفقيرة اومن جانب بعض العائلات محدودة الدخل كما يشاع او يبرر لهذا العيب، إلى كبار الملاكين واصحاب القصور الفخمة ، واصبح عامل زهو وافتخار ان تغتصب ملك عام، والتفنن في استثماره فهناك من بنى على هذا الرصيف المغتصب محل تجاري، أي إدارة معاملات تجارية ، كأن يكون للدلالية أو حديقة خلفية للمنزل لقضاء السهرات الملونة، وعلى عين الحكومة ومصلحة المواطن ، والغريب في الأمر أن المغتصبين للأملاك العامة يجملون فعلتهم بآيات قرآنية او بأقوال من ارث الاولياء الصالحين ، وكان هذا الفعل مُقرا شرعا وعُرفا، مع أن ديننا الإسلامي الحنيف حرم اغتصاب الأملاك العامة، وتحت اي من الذرائع، بينما الواقع العكس من ذاك.
مساوئ وأضرار:
بالتأكيد لهذه الظاهرة اضرار ومساوئ وأضرار خطيرة لا تعد ولا تحصى، ويمكن ان نعرج هنا على البعض، فمن أخطر الارتدادات السلبية لهذه الظاهرة غير الحضارية ، اضطرار المواطنين وبالتحديد الاطفال وكبار السن ومن الفئات العمرية المختلفة النزول إلى الشارع والتدافع مع المركبات للوصول إلى الجهة التي يقصدونها، كأن تكون مدرسة ، جامعة ، محل عمل أو مراكز للتسوق، معرضين لأخطار الدهس او التعثر في فتحات مياه المجاري او الامطار، وكثيرا ما نقلت لنا وسائل الإعلام المرئي او مواقع التواصل الاجتماعي مناشدة الاهالي لمعالجة الحالة، مرفقة بصور الطلبة وملابسهم البيضاء تزينها الاطيان والمياه المتسخة، وهم ذاهبون او راجعون من وإلى مبتغاهم ، يا لها من حالة بائسة، وعار في جبين من أغمض عينيه عن هذه الظاهرة .. أين حقوق الإنسان أين حقوق الطفل أين حرمة التجاوز على الأملاك العامة؟
ومن المردودات السلبية للتجاوز على الأرصفة الاخرى، فحال ما تغرق الشوارع بمياه الأمطار وتعذر الطلبة الوصول إلى مدارسهم يدفع بوزارة التربية والدوائر الاخرى إلى حل عقيم وهو تعطيل المدارس عن الدوام دون ان يتم معالجة هذه الحالة المزرية وغير الإنسانية والتي تعبر عن قصور في الرؤية والفهم والتخطيط.
ومن هنا نبني الكثير من الآمال على مبادرة الجهد الخدمي لمعالجة هذه الحالة الشاذة، أي رفع كل التجاوزات عن الارصفة في المحلات السكنية ، ولكن رغم أهميتها وخطورتها تبدو أنها غائبة عن الاهتمام الحكومي، بدءا من مجلس النواب ، لجنة الخدمات نزولا إلى الدوائر البلدية التي كان لها الدور الاساسي في إنماء هذه الظاهرة بغض النظر عنها، وبعدم مكافحتها منذ البداية ،فتحولت من حالة شاذة الى ظاهرة يقتدى بها، وهنا لا يمكن تجاهل دور المواطن المتجاوز نفسه، الذي كان يفترض ان يوجه السؤال لذاته أين يذهب المشاة عندما تم سحب حق أساسي من حقوقهم بحرمانهم من استخدامهم الرصيف والدفع بهم نحو التهلكة.
رفع التجاوز ليس بالجهد الهين ولكنه مطلب شعبي:
مكافحة هذه الظاهرة ورفع التجاوزات ليس بالجهد الهين بتعدد مصادر صنع القرار التنفيذي ودعم ومساندة بعض الأجنحة السياسية المتنفذة لهكذا تجاوزات تحت تبريرات واهية ، لكنه يبقى مطلبا جماهيريا ، فالصورة الذهنية لدى المتجاوزين عن التجاوز جعل البعض منهم ينظر له بانه ملك صرف يستحق الدفاع عنه والموت من اجله ، ضخامة المشكلة وحجم تمددها ،يجعل استئصالها ورفعها وتطهير المحلات السكنية منها ليس بالمهمة السهلة بل تتطلب برنامجا توعويا يجب ان يبدا بحملة إعلامية مركزة ومدروسة، تفضح وتعري المتجاوزين امام الرأي العام ،مع استثمار دور المرجعيات الدينية والسياسية وقادة الرأي العام بالدعوة إلى رفع هذه التجاوزات طوعا ثم يليها تفعيل القوانين الحاكمة للتجاوزات على الملكية العامة. .
ان بغداد بثقلها التاريخي و الحضاري والجمالي بحاجة إلى جهود الفريق الخدمي الحكومي وإعادتها لوضعها الطبيعي وفق التصميم الاساس، والحفاظ على هويتها العمرانية في الذاكرة دون تركها على وضعها الحالي لان ستكون له مردودات سلبية عديده ، وان يعود الرصيف إلى مكانته، يؤدي الوظيفة التي وجد من أجلها في خدمة المواطن وأن لا يكون لقمة دسمة يتلقفها من لا يخاف الله ولا يحترم القانون، وأين نحن من مقولة كف الاذى عن طريق الناس…. عن النبِيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: ((إيَّاكم والجلوس على الطُّرقات))، فقالوا: ما لنا بدٌّ، إنَّما هي مجالسنا نتحدَّث فيها قال: ((فإذا أبيتم إلاَّ المجالس فأعطوا الطَّريق حقَّها))، قالوا: وما حقُّ الطَّريق؟ قال: ((غضُّ البصر وكفُّ الأذى وردُّ السَّلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر))؛ متفق عليه. إن غض نظر الجهات المسؤولة عن الشؤون البلدية سمح بتشعب وتجذر هذه الظاهرة، وبدأ البعض من الاشخاص المتجاوزين يتعرضون لأي جهد حكومي لرفعها مما تسبب بحوادث قتل، وإصابة آخرين بجروح وتضرر الجهد الحكومي لخسائر مادية وبشرية، وهنا تكمن خطورة السكوت عن التجاوزات وعدم رفعها.
ان سلطة رئيس الوزراء وفريقه الخدمي الان على المحك، وتنفيذ رفع التجاوزات عن الارصفة في المحلات السكنية يقع تحت إطار اعادة هيبة الدولة والقانون التي منحها البرنامج الحكومي أهمية استثنائية. ، والسؤال المطروح أمام قادة هذا الجهد هل يتحقق طموح المواطن بأن يرى الأحياء السكنية خالية من التجاوزات والأطفال يذهبون لمدارسهم واسرهم مطمئنة عليهم ، بأن الارصفة أعُيدت لتؤدي مهامها المخطط لها . هذه الخطوة إذا ما تم تنفيذها تحسب لرئيس الزوراء فيما فشل الآخرون في تنفيذها.. ومن هنا مدينة بلا رصيف مدينة بل هوية…
أخبار قد تهمك
الموسوي: خلافات مع المراجع الأعلى وراء تغيير إدارة مصفى كربلاء
الخفاجي يكشف عن ارتفاع النفقات التشغيلية إلى مستويات قياسية تثير القلق المالي
استصلاح ١٠ ابار بحقل حلفاية النفطي في ميسان
طالب يقوم بقتل زميله ثم ينتحر في مدرسة خلال بث مباشر في الفلبين
انقطاع التيار الكهربائي عن مدمرة تابعة للبحرية الأمريكية في بحر الصين الجنوبي لمدة أربعة أيام
أوكرانيا تهاجم موسكو بمئات الطائرات المسيرة
رئيس كوريا الجنوبية يدعو إلى استقلال الجيش في أعقاب دعوة ترامب إلى خفض التدريبات المشتركة
شركة ديزني ترفع دعوى قضائية ضد لجنة الاتصالات الفيدرالية بسبب “حملة انتقامية” ضد شبكة ABC
النزاهة تطيح بـ21 متهماً وتضبط 87 مليون دينار قرب مصفاتي بيجي والصينية
تغييرات جديدة في المؤسسات المالية والتنموية.. الزيدي يكلف قيادات جديدة
24 ألف زواج وطلاق في العراق خلال شهر.. وبغداد تتصدر الطلاق





