
العراق يدخل القائمة الرمادية.. اختبار قاسٍ للمصارف والثقة بالاقتصاد
المستقلة/- دخل العراق رسميًا قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة لدى مجموعة العمل المالي الدولية «FATF»، المعروفة باسم «القائمة الرمادية»، بعد رصد أوجه قصور استراتيجية في نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
وأعلنت المجموعة، في ختام اجتماعها العام في باريس، أن العراق قدم التزامًا سياسيًا رفيع المستوى بتنفيذ خطة عمل لمعالجة أوجه القصور ضمن مدد زمنية متفق عليها، في تطور يضع النظام المالي والمصرفي أمام واحد من أصعب اختبارات الامتثال والثقة الدولية.
ولا يعني التصنيف إدراج العراق في «القائمة السوداء» أو فرض عقوبات مالية دولية عليه، كما لا تطالب المجموعة الدول والبنوك بقطع التعامل معه أو تطبيق تدقيق مشدد شامل على جميع معاملاته. لكنه يضع البلاد تحت متابعة دولية أدق، ويدفع المؤسسات المالية الأجنبية إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالتعامل مع المصارف والعملاء العراقيين.
وحددت مجموعة العمل المالي تسعة مجالات يتعين على العراق العمل عليها، في مقدمتها تعزيز فهم مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، واتخاذ تدابير وقائية تستند إلى حجم المخاطر، والكشف عن خدمات تحويل الأموال غير الرسمية، وإنشاء إطار قانوني لمقدمي خدمات الأصول الافتراضية.
كما طالبت بزيادة كمية ونوعية تقارير العمليات المشبوهة، وتحسين استخدام المعلومات المالية، ولا سيما في القطاعات غير المالية عالية المخاطر، وتشديد إجراءات معرفة المالك الحقيقي للشركات والأموال.
وتضمنت الخطة زيادة التحقيقات والملاحقات القضائية في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومراجعة العقوبات الصادرة في قضايا غسل الأموال، وتعزيز قدرة الجهات العراقية على مواجهة التهرب من العقوبات المالية المرتبطة بتمويل انتشار الأسلحة.
ويكشف التصنيف وجود فجوة بين التشريعات والإجراءات المعلنة من جهة، وفاعلية تطبيقها من جهة أخرى. فقد أظهر التقييم المتبادل السابق للعراق أن مستوى الفاعلية كان منخفضًا في بعض النتائج المرتبطة بالتحقيق في غسل الأموال ومواجهة تمويل انتشار الأسلحة، رغم وجود درجات أفضل في جوانب فنية أخرى.
ضغوط على المصارف والتحويلات
ومن المتوقع أن تكون المصارف العراقية الطرف الأكثر تعرضًا لتداعيات التصنيف، إذ قد تطلب البنوك المراسلة الأجنبية معلومات ووثائق إضافية عن مصادر الأموال والمستفيدين الحقيقيين والغرض من التحويلات.
وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء بعض العمليات، ورفع كلفة الامتثال والتحويلات، وزيادة الضغط على المصارف التي تعاني أصلًا من ضعف أنظمتها التقنية والرقابية، من دون أن يعني ذلك توقف التجارة الخارجية أو التحويلات بصورة تلقائية.
كما قد ينعكس التصنيف على قرارات المستثمرين، لأن المؤسسات الدولية عادة ما تدخل وضع الدولة لدى مجموعة العمل المالي ضمن تقدير المخاطر القانونية والمالية. وسيعتمد حجم الأثر على سرعة استجابة الحكومة والبنك المركزي، ومدى إقناع الشركاء الدوليين بأن الإصلاحات تتجاوز البيانات إلى التطبيق الفعلي.
أثر محتمل على سوق الصرف
ولا يؤدي الإدراج في القائمة الرمادية بذاته إلى تغيير سعر صرف الدينار، لكن تشدد المصارف الخارجية أو تأخر التحويلات قد يزيد الضغط على الطلب على الدولار، ويدفع بعض التجار إلى القنوات غير الرسمية إذا لم تتمكن المصارف المحلية من تأمين المعاملات بسرعة وشفافية.
ومن شأن ذلك أن يوسع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، خصوصًا إذا تزامن التصنيف مع قيود إضافية على المصارف أو ضعف في تدفق الدولار التجاري.
البنك المركزي أمام امتحان التنفيذ
ويضع القرار البنك المركزي والجهات الرقابية والقضائية أمام مسؤولية تتجاوز إصدار التعليمات؛ إذ يتطلب الخروج من القائمة إثبات ارتفاع التحقيقات الفعلية في غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين تقارير العمليات المشبوهة، وفرض عقوبات مؤثرة على المؤسسات المخالفة، وضبط شركات التحويل والقنوات المالية غير المرخصة.
كما يتطلب إصلاحًا حقيقيًا لملكية المصارف والشركات، والكشف عن المستفيدين الفعليين من الحسابات والتحويلات، ومنع استخدام الواجهات التجارية في تمرير الأموال أو إخفاء مصادرها.
وسبق أن خرج العراق من القائمة الرمادية عام 2018 بعد تنفيذ التزامات إصلاحية، إلا أن عودته إليها بعد ثماني سنوات تثير تساؤلات بشأن استدامة الإصلاحات السابقة وقدرة المؤسسات على مواكبة تطور أساليب غسل الأموال والتمويل غير المشروع.
ولا يمثل التصنيف عزلة مالية فورية، لكنه إنذار واضح بأن القواعد والإجراءات الحالية لم تعد كافية. وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة العراق على تنفيذ خطة العمل خلال المواعيد المتفق عليها، وتجنب تحول الرقابة الدولية المؤقتة إلى عبء طويل الأمد على المصارف والاستثمار والتجارة الخارجية.





