
العراق يتجه لاعتماد الموازنة السنوية وسط جدل اقتصادي وسياسي
المستقلة/- تتجه اللجنة المالية في مجلس النواب إلى اعتماد موازنة عامة سنوية للعام الحالي، في خطوة تعكس تحولاً جديداً في إدارة السياسة المالية في البلاد، وسط نقاشات اقتصادية وسياسية متصاعدة حول جدوى العودة إلى نظام الموازنة السنوية بعد تجربة الموازنة الثلاثية التي أُقرت في سنوات سابقة.
ويأتي هذا التوجه في ظل تحديات اقتصادية متراكمة، أبرزها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية وتقلب أسعارها، إلى جانب تذبذب مستويات الإنفاق العام والحاجة إلى رفع كفاءة التخطيط المالي وتحسين الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
وقالت عضو اللجنة المالية النائبة الدكتورة زينب رحيم الجياشي في حديث لـ”الصباح”، إن الهدف من إعداد موازنة سنوية يتمثل في دعم المشاريع الخدمية الحيوية، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية، مؤكدة أن هذا التوجه ينسجم مع متطلبات العدالة في توزيع الموارد وتحسين جودة الخدمات.
وأضافت أن الموازنة السنوية تُعد أداة أكثر دقة في إدارة الإنفاق العام مقارنة بالموازنات متعددة السنوات، كونها تتيح إعادة تقييم الأولويات بشكل دوري وفق المستجدات الاقتصادية، مشيرة إلى استبعاد العودة إلى الموازنة الثلاثية في المرحلة الحالية بسبب عدم ملاءمتها للظروف الراهنة.
وفي السياق ذاته، أوضح الخبير المالي الدكتور محمود داغر أن العودة إلى نظام الموازنة السنوية أصبحت ضرورة اقتصادية ملحة، في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط وتذبذب إيراداته، ما يتطلب أدوات مالية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التغيرات.
وبيّن أن هذا النظام يعزز الرقابة المالية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويمنح البرلمان دوراً أكبر في التدقيق والمراجعة، فضلاً عن إتاحة مرونة أكبر للحكومة في إعادة توجيه الإنفاق بما يتناسب مع الواقع الفعلي بدلاً من خطط طويلة الأمد قد تفقد فعاليتها.
وأشار داغر إلى أن التجربة مع الموازنة الثلاثية أظهرت تحديات واضحة، أبرزها ضعف دقة التقديرات المالية وصعوبة التنفيذ على المدى المتوسط، ما خلق فجوات بين التخطيط والتطبيق، وهو ما يجعل الموازنة السنوية الخيار الأكثر واقعية حالياً.
من جانبه، أكد المختص في الشأن الاقتصادي وليد العگيلي أن إقرار الموازنة لا يقتصر على كونه إجراءً مالياً، بل يمثل أداة أساسية لضبط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لافتاً إلى تأثيره المباشر على استمرار الرواتب والخدمات الأساسية والدعم الحكومي.
وأضاف أن الموازنة تسهم في تعزيز الاستقرار النقدي من خلال ضبط السيولة داخل السوق المحلية، والحد من تقلبات سعر الصرف، فضلاً عن دورها في تعزيز ثقة المستثمرين بالاقتصاد العراقي، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي مصطفى فرج إن الموازنة العامة تمثل قراراً اقتصادياً سيادياً يحدد اتجاه الاقتصاد خلال عام كامل، وليست مجرد وثيقة مالية، بل تعكس أولويات الدولة في الإنفاق بين الرواتب والاستثمار والخدمات.
وأوضح أن الإنفاق الاستثماري داخل الموازنة يعد محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي، كونه يخلق طلباً في السوق ويدعم القطاع الخاص ويوفر فرص عمل جديدة، إلا أنه أشار إلى أن عملية إقرار الموازنة في العراق كثيراً ما تتأثر بالعوامل السياسية على حساب الاعتبارات الاقتصادية.
وبيّن أن هذا التداخل يؤدي إلى تأخير الإقرار وتعطيل المشاريع، ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاقتصادي وثقة المستثمرين، داعياً إلى فصل الجوانب الفنية عن السياسية واعتماد أسس مهنية واضحة في إعداد الموازنة.
وختم فرج بالتأكيد على أن إصلاح منظومة إعداد الموازنة يمثل خطوة أساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وتحويلها إلى أداة تخطيط وتنمية حقيقية بدلاً من كونها ملفاً خاضعاً للتجاذبات السياسية.





