الدولار يسعّر مخاوف ما بعد 30 أيلول.. المضاربات والعقوبات المحتملة تضغط على الدينار العراقي

المستقلة/- دخل سوق الصرف العراقي مرحلة جديدة من التوتر مع اقتراب نهاية شهر أيلول، بعدما تجاوز سعر بيع الدولار في بعض أسواق بغداد، اليوم السبت 19 أيلول 2026، حاجز 160 ألف دينار لكل 100 دولار، في حركة تعكس اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وتصاعد الطلب على العملة الأميركية وسط حالة من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي.

ويأتي الارتفاع بالتزامن مع رصد مرصد «إيكو عراق» تسارعاً في أسعار الدولار، مرجعاً ذلك إلى مجموعة عوامل متداخلة لا يمكن اختزالها بسبب واحد، في مقدمتها المضاربات وارتفاع الطلب على الدولار، إلى جانب المخاوف المرتبطة بما قد يحدث بعد 30 أيلول والحديث المتزايد عن احتمالات فرض عقوبات أميركية أو اتخاذ إجراءات مالية جديدة.

وتشير حركة الأسعار خلال الأيام الأخيرة إلى أن العامل النفسي أصبح مؤثراً بصورة واضحة في السوق. ففي 14 أيلول، سجلت بورصتا الكفاح والحارثية نحو 156,500 دينار لكل 100 دولار، قبل أن ترتفع الأسعار تدريجياً، وصولاً إلى مستويات قاربت أو تجاوزت 160 ألف دينار في محال الصيرفة ببغداد اليوم السبت.

هذا التحرك السريع لا يعني بالضرورة حدوث تغيير في السعر الرسمي للدينار، إذ لا تزال السياسة الرسمية للبنك المركزي منفصلة عن أسعار التداول في السوق الموازية. كما سبق للبنك المركزي أن نفى في حزيران الماضي أنباء متداولة بشأن تغيير سعر صرف الدينار، وحذر من الاعتماد على وثائق أو أخبار غير صادرة عن قنواته الرسمية.

السوق يشتري الدولار تحسباً للمجهول

المشكلة الأساسية في المرحلة الحالية تتمثل في أن السوق لا ينتظر بالضرورة وقوع القرار حتى يتفاعل معه، وإنما يبدأ في تسعير احتمالاته مسبقاً.

ومع تزايد الحديث خلال الأيام الماضية عن ملف حصر السلاح بيد الدولة، ومستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن بعد نهاية أيلول، وإمكانية توسيع العقوبات المرتبطة بشبكات مالية تتعامل مع إيران، بدأ جزء من التجار والمضاربين وحائزي السيولة بالتحوط عبر زيادة الطلب على الدولار.

وهذا النوع من الطلب لا يرتبط كله بحاجة تجارية فعلية إلى العملة الأجنبية، وإنما يشمل أيضاً ما يمكن وصفه بـ«طلب الخوف»؛ أي شراء الدولار تحسباً لارتفاعه مستقبلاً.

وكلما انتشرت توقعات بأن الدولار قد يرتفع أكثر، يزداد عدد الراغبين في شرائه، فتتحول التوقعات نفسها إلى عامل إضافي يدفع السعر إلى الأعلى.

30 أيلول.. موعد سياسي يتحول إلى عامل في سوق الصرف

تتركز المخاوف بصورة خاصة حول يوم 30 أيلول، بسبب ارتباطه بملفات سياسية وأمنية حساسة يجري تداولها في العراق، ولا سيما ملف حصر السلاح ومستقبل العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة.

ونقلت صحيفة «الأخبار»، في تقرير نشر في 18 أيلول، عن مسؤول حكومي عراقي حديثاً عن رسائل أميركية وإمكانية استخدام أدوات اقتصادية إذا لم يحدث تقدم في ملف حصر السلاح، إلا أن التقرير نفسه أشار إلى نفي مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية وجود خطة أميركية معلنة حالياً لوقف شحنات الدولار بسبب عدم إنجاز الملف بحلول 30 أيلول. ⁠

وهنا يجب التفريق بين احتمال سياسي يجري تداوله وبين قرار أميركي رسمي معلن.

فحتى 19 أيلول 2026، لا يظهر في البيانات العلنية التي راجعتها لوزارة الخزانة الأميركية إعلان رسمي يحدد يوم 30 أيلول موعداً لقطع شحنات الدولار عن العراق أو لفرض عقوبات اقتصادية شاملة على الدولة العراقية.

لكن واشنطن تواصل بالفعل تشديد إجراءاتها ضد شبكات تعتبرها مرتبطة بإيران أو بمساعدة جهات خاضعة للعقوبات. ففي 10 أيلول، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات جديدة ضد شبكات قالت إنها تدعم كتائب حزب الله وحزب الله وتساعد إيران في تجاوز العقوبات.

وهذا يعني أن مخاوف السوق لا تأتي من فراغ بالكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تشكل دليلاً على وجود قرار أميركي شامل أو تلقائي سيصدر في 30 أيلول.

مصرف الطيف يعيد ملف الثقة إلى الواجهة

عامل آخر يضغط على سلوك المتعاملين يتمثل في الثقة بالقطاع المصرفي.

ففي 3 أيلول، أعلن البنك المركزي العراقي فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي للاستثمار والتمويل.

وبعد تصاعد القلق بين المودعين، أكد البنك المركزي أن فرض الوصاية لا يعني إفلاس المصرف، وإنما يمثل إجراءً رقابياً احترازياً لحماية حقوق المودعين وضمان استقرار العمليات المصرفية.

وفي 8 أيلول، عاد البنك المركزي ليؤكد أن حقوق مودعي مصرف الطيف محفوظة، وأنه يعمل مع الوصي المنتدب لتنظيم عمليات السحب والوفاء بالالتزامات المالية بصورة تدريجية ومنظمة.

ورغم هذه التطمينات، فإن أي أزمة تتعلق بمصرف أو بودائع العملاء يمكن أن تؤثر نفسياً في السوق، خصوصاً في اقتصاد يحتفظ فيه جزء كبير من التعاملات والسيولة خارج النظام المصرفي.

وعندما تتراجع الثقة، يميل جزء من أصحاب الأموال إلى الاحتفاظ بالدولار النقدي باعتباره وسيلة للتحوط، وهو ما يزيد الطلب عليه في السوق الموازية.

المضاربون يدخلون على الخط

ولا يقل دور المضاربات أهمية عن العامل السياسي.

فالارتفاع السريع في الأسعار يخلق فرصة أمام المضاربين لشراء الدولار وإعادة بيعه مع توقع استمرار الصعود. ومع ارتفاع حجم الطلب، قد تبدأ حركة السعر بالابتعاد عن العوامل الاقتصادية الأساسية وتصبح مدفوعة لفترة معينة بالتوقعات والإشاعات وسلوك المتعاملين.

وبالتالي فإن مجرد انتشار خبر غير مؤكد بشأن «قطع الدولار عن العراق» أو «عقوبات بعد 30 أيلول» قد يدفع بعض المتعاملين إلى الشراء، حتى قبل التحقق من صحة الخبر.

وفي هذه الحالة، يصبح السوق أمام دائرة متكررة:

انتشار المخاوف يدفع إلى شراء الدولار، وارتفاع الطلب يرفع السعر، وارتفاع السعر يعزز الاعتقاد بأن هناك تطوراً خطيراً، فيدخل مشترون جدد إلى السوق.

هل يمكن أن يستمر ارتفاع الدولار؟

المسار خلال الأيام المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على الأخبار والقرارات الرسمية التي ستصدر من بغداد وواشنطن، إضافة إلى قدرة البنك المركزي العراقي على إدارة الطلب على العملة الأجنبية واحتواء المضاربات.

إذا لم تظهر إجراءات أميركية جديدة واسعة، وتراجعت المخاوف المرتبطة بما بعد 30 أيلول، فمن الممكن أن ينخفض جزء من الطلب الاحترازي على الدولار.

أما إذا ظهرت عقوبات جديدة على مؤسسات مالية أو شركات أو شبكات عراقية، أو توسعت القيود على قنوات التعامل بالدولار، فقد يزداد الضغط على السوق الموازية، خصوصاً إذا رافق ذلك نشاط مضاربي واسع.

لكن من المهم أيضاً التمييز بين العقوبات التي تستهدف أفراداً أو شركات أو مصارف محددة وبين أي إجراء يمس وصول العراق كدولة إلى الدولار؛ فهذه مستويات مختلفة تماماً من الإجراءات ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها شيئاً واحداً.

البنك المركزي أمام اختبار الثقة

المعركة الحالية ليست مرتبطة بحجم الدولار المتداول فقط، وإنما بالثقة أيضاً.

ويحتاج السوق إلى رسائل واضحة وسريعة تقلل مساحة الشائعات، وتوضح حقيقة ما يجري بشأن التحويلات الخارجية وشحنات الدولار وأي تغييرات قد تطرأ على النظام المصرفي.

وفي المقابل، فإن استمرار الأخبار المتضاربة وغياب التوضيحات السريعة قد يمنح المضاربين مساحة أكبر لتحريك السوق.

وبين العقوبات المحتملة، واستحقاقات ما بعد 30 أيلول، وأزمة الثقة التي تظهر من وقت إلى آخر في بعض المصارف، يبدو أن الدولار في العراق لا يسعّر الوقائع الحالية فقط، بل يسعّر أيضاً الخوف من السيناريو المقبل.

ولهذا فإن السؤال الذي يراقبه السوق الآن ليس فقط: كم يبلغ سعر الدولار اليوم؟

بل: ماذا سيحدث بعد 30 أيلول؟

والإجابة، حتى الآن، لم تصدر في شكل قرار رسمي حاسم من واشنطن أو بغداد، بينما سبق السوق الجميع وبدأ بالفعل في تسعير المخاوف

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى