مشاهدات من ساحة التحرير

نزار السامرائي

الطريق الى التحرير سالكا.. حيث تمتلأ الشوارع بالشباب والنساء والرجال المتوجهين الى ساحة التحرير من مناطق بغداد المختلفة.

وسائل النقل متوفرة تنقل ركابها الى اقرب منطقة مسموح الوصول للمركبات اليها، ومن هناك يتجه الجميع راجلين وكأنهم متجهين للمشاركة في كرنفال شعبي مفتوح.

رجال الشرطة في مناطق القطع يجرون عملية تفتيش روتينية للمارين باتجاه التحرير، بكل هدوء وكياسة وتعامل راق، والجمهور يتعاون معهم متفهما للواجب الذي يؤدوه.

الاعلام العراقية هي السلعة الاكثر رواجا للبيع كلما اقتربنا من الساحة، وعربات التكتك في حركة مستمرة ذهابا وايابا وهي تطلق النشيد الجديد الذي يتغنى ببطولتهم ونوخوتهم لمساعدة المتظاهرين ، فيما افرغ الجانب الايمن من شارع السعدون لمرور سيارات الاسعاف التي تنقل الجرحى ومن يتعرض للاصابة من المتظاهرين.

اول ما شاهدته مجموعة من الصبايا والصبية وهم يحملون المكانس والاكياس الفارغة لجمع النفايات من الشارع، كانوا سعداء بما يؤدونه يتجمعون لالتقاط صورة سيلفي توثق مشاركتهم الطوعية تلك.

عند بداية النفق تتعد الاتجاهات ..في داخل النفق الشباب المكلف باطفاء القنابل المسيلة للدموع التي تتساقط تباعا على الساحة الغاصة بالمتظاهرين.

منتصف الساحة تجمع العشرات من الشباب حول جهاز (دي جي) يطلق الاناشيد الحماسية التي تتغنى بانتصارات الجيش والحشد الشعبي، الجميع يرقص ويردد الاناشيد، هناك انبرى احدهم ليرفع احد رجال الشرطة على اكتافه، فيتلقى التحية من الشباب المتحمس، والخجل يرتسم على وجهه، لينزل من الاكتاف التي حملته، متجها الى الخارج والجميع يقبل رأسه ووجنتيه تعبيرا عن ذلك التلاحم بين الشعب المتظاهر والقوى الامنية المتواجدة في الساحة، والذين كانوا في غاية الهدوء والتهذيب، لا يحملون السلاح ويكتفون بالمراقبة خوفا من حدوث افعالا يمكن ان تعكر صفو التظاهرات.

المطعم التركي عالم بحد ذاته.. العشرات يلوحون من طوابقه المتعددة وهم يحتشدون يلوحون لمن في الساحة بالاعلام والهتافات ويتلقون القنابل المسيلة للدموع، بالمزيد من الهتاف والمزيد من الاصرار على الاستمرار بالاعتصام داخل البناية التي اطلقوا عليها (جبل احد) والمطلة على الساحة من جهة وعلى جسر الجمهورية والمنطقة الخضراء من جهة اخرى.

طلبة الكليات الطبية يتجمعون في حديقة الامة داخل خيمة لعلاج الحالات الطارئة، بصداريهم البيضاء، شباب يعملون بهدوء ويستقبلون المصابين نتيجة الغازات ليقدموا العلاج اللازم بسرعة.

قناني الماء مبذولة في كل مكان، وعلب الببسي مهيئة لغسل العيون مع كل قذيفة غاز تطلق.

الفتيات والنساء يملأن الساحة والشباب يتعاملون معهن بارقى ما يكون من تعامل، يفسحون المجال لهن اذا مرن، يتجنبون الاحتكاك بهم،  انه عالم آخر لشباب العراق، منهج جديد يرسمونه لقيم عليا في المجتمع مسقطين كل التراهات التي تطلق ضدهم ويتهمون بها.

العلم العراقي هو الراية الوحيدة التي تطالعك حيثما التفت ..لاشيء يعلو على راية الوطن.

المواكب الحسينية تواصل عملها بلا انقطاع، وكأن القائمين عليها يدركون ان الدعوة للاصلاح هو المنهج الحق للامام الحسين(ع) الذي اطلق صرخة مدوية عبر التاريخ ” لم اخرج اشرا ولا بطرا وما اردت الا الاصلاح..”.

ونحن نستعد للمغادرة سقطت قنبلة غاز بالقرب منا، اسرع الشباب لاطفائها وانها مفعولها.. وما ان سرت قليلا وبدى ارها واضحا على عيني، حتى اوقفني شابين لا اعرفهما، ليساعداني ويغسلا عيني بعبوة بيبسي.

عربات التكتك تقف على جانب مستعدة، وما ان سمعوا صوت الاطلاقات حتى سارعوا للانطلاق بسرعة ليحملوا المصابين نحو المستشفيات القريبة.

في ساحة التحرير ينطلق كرنفالا حقيقيا لبناء العراق الجديد الذي يسعى هؤلاء الشباب ، جيل الانترنت، ليرسموا خطوطه الاولى بدمائهم وعرقهم واصرارهم على مواجهة الرصاص والقنابل المسيلة للدموع والاتهامات، حتى تتحقق مطالبهم باصلاح حقيقي وانهاء سياسة المحاصصة والتفرقة والاستحواذ والفساد.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.