لقاح الجدري اول تجربة لاكثر الامراض فتكا بعد قتله ملايين البشر

وصفه رينيه ناجيرا، عالم الوبائيات، ومحرر موقع “تاريخ اللقاحات” بأنّه “مرض مخيف” ويجعلك -حسب قوله-:”تشعر بآلام شديدة في جسمك، مصحوبة بالحمى والتهاب الحلق، وصعوبة في التنفس” وذلك بحسب تقرير لريتشارد هولينغام في “بي بي سي”.

وأضاف رينيه، أنّ الأسوأ من ذلك، يتمثّل في: “انتشار طفح جلدي قبيح في جميع أنحاء جسمك، ويتّخذ شكل بثور متقيحة على فروة الرّأس والقدمين والحلق حتى الرئتين، ثمّ تجفّ على مدى يومين وتسقط القشور”.

الجدري المرض الفتاك القاتل

المرض الفتّاك القاتِل، إلى درجة أنّه يؤدي إلى وفاة نحو ثلث المصابين به من البالغين، وثمانية من كل 10 أطفال، وفي مستهل القرن الثامن عشر، كان الجدري يودي بحياة نحو 400 ألف مصاب سنويًّا في أوروبا وحدها.

وكانت المرافئ أكثرعرضة للوباء، بسبب توسّع الإمبراطوريات، ونشاط التجارة العالمية، وفي عام 1721، تفشّى الجدري في مدينة بوسطن الأمريكية وحصد أرواح ثمانية في المئة من سكانها. أما عن الناجين، فكان المرض يترك آثارًا وتشوّهات تلازمهم طيلة حياتهم، كالعمى والندوب المقززة.

ويقول ناجيرا: “عندما تسقط القشور، تترك ندوبًا عميقة تشوّه وجهك، إلى حد أنّ البعض آثروا الانتحار على العيش بهذه الندوب”.

علاج الجدري

تعددت الأساليب والطرق، فمنها الغريب ومنها عديم النفع، وتضمّنت هذه العلاجات، وضع الأشخاص المصابين في غرف ساخنة أو أحيانًا باردة، والامتناع عن أكل البطيخ ولفّ أجسام المرض بغطاء أحمر، وفي القرن السابع عشر، ظهرت وصفة جديدة، وهي إعطاء المريض 12 زجاجة خمر صغيرة كل 24 ساعة، كنوعٍ من المسكِّن لتخفيف شدّة الألم وحدّته.

ولكن، وسط غرابة هذه العلاجات وعدم فاعليّتها، ظهرعلاج آخر، عُرف باسم “التجدير” أو “التلقيح ضدّ الجدري” تضمن استخراج الصديد من بثور شخص مصاب بالجدري وإدخالها في جروح سطحية على جلد شخص آخر سليم، أو طحن قشور البثور من شخص مريض وإدخالها في أنف شخص سليم.

جُرّبت هذه الطرق في البداية في أفريقيا وآسيا ثم حملها أحد العبيد، إلى أوروبا وأمريكا الشمالية في القرن الثامن عشر، وكان التلقيح ضد الجدري عادة يخفف حدة الإصابة بالمرض، لكن ليس دائمًا؛ فقد أصيب البعض بجميع أعراض الجدري الشديدة، وأصبح جميع الأشخاص الذين خضعوا لهذا النوع من التلقيح حاملين للمرض، وكانوا ينقلونه للآخرين دون قصد!

البحث واكتشاف اللقاح وتجربته

أشيع أنّ مجموعة من الناس في الريف الإنجليزي محصنون ضد الجدري، في مطلع القرن الثامن عشر، إذ كانت الريفيات اللائي يَحلُبنَ الأبقار يُصبْنَ بمرض جدري الأبقار، وهو نوع أخفّ من الجدري الذي يصيب البشر، كان يصيب الماشية ويترك ندوبًا قليلة.

وحين تفشّى وباء الجدري في غرب إنجلترا عام 1744، خطرت للمزارع بنيامين جيستي فكرة جديدة للتحصّن ضدّ المرض، إذ استخرج بعض الصديد من التقرّحات الموجودة على ضرعِ بقرةٍ مصابة بـ”جدري البقر” وأدخلها في جروح سطحية على جلد زوجته وأطفاله، فأكسبهم مناعة ضد المرض، ولم يصب أي منهم بالجدري.

ولم يسمع أي أحد بتجربة المزارع الريفي جيستي، إلّا بعدها بسنوات، وتوصّل إدوارد جينر، الذي يُنسب له الفضل في اختراع اللقاحات، والترويج لها، إلى ملاحظات واستنتاجات مشابهة.

وجينير طبيبٌ ريفيٌّ يعمل في بلدة بيركلي بمقاطعة غلوسترشاير، وتتلمذ على يد أمهر الجرّاحين في عصره بلندن، ويروى أنّ اهتمام جينير بعلاج الجدري، عائد إلى خضوعه لعملية تلقيح مروّعة ضد الجدري في طفولتِه.

ويقال إنّ الرعب الذي انتابه من هذه التجربة حفّزه على البحث عن لقاح للجدري. ويقول أوين غوير، مدير متحف منزل دكتور جينر: “كان جينر يحاول العثورعلى بديل أكثر أمنًا وأقل ترويعًا من عملية “التجدير” المنتشرة آنذاك.

وبعد جمع الأدلة من المزارعين والمزارعات، اللائي يحلبنَ الأبقار، قرّر جينر أنْ يجري تجربة، لكنّها كانت خطيرة، كونه أجراها على أحد الأطفال، فاستخلص صديدًا من جرحٍ في يد شابة مزارٍعة مصابة بجدري البقر، ووضعه داخل خدوش على جلد جيمس فيبس، البالغ من العمر ثماني سنوات، وتألّم الطفل من أعراضٍ طفيفة صاحبته أيّامًا معدودة، وبعد أن برئ حقنه جينر بمادة استخلصها من بثور شخص مصاب بالجدري، ولم يصب جيمس أو أي من الأشخاص الذين خالطهم بالجدري.

وبرغم نجاح هذه التجربة، إلّا أنّها بمعايير عصرنا، قد تثير قضايا أخلاقية، ولا سيّما بعد قراره بتجربة اللقاح على طفل صغير لم يبلغ من عمره 10 سنوات بعد. تقول شيلا كروكشانك، أستاذة علم المناعة بجامعة مانشستر، عن تجربة جينير: “لم تكن تجربة سريرية، ولعل اختياره لمن سيخضع لتجربة اللقاح قد يثير القلق”.

وتضيف كروكشانك: “إن الكثير من تجارب جينر كانت تقوم على تحفيز استجابة مناعية وإطلاق أجسام مضادة وبناء الذاكرة المناعية، رغم أن هذه المفاهيم لم تكن قد اكتشفت بعد. وهذا مدهش ومخيف في آن واحد”.

وقد أدرك جينر أن لقاح الجدري الذي طوره من جدري البقر، له القدرة على إحداث ثورة في الطب الوقائي وإنقاذ حياة المرضى. لكنّه كان يعلم أيضًا أن كبح انتشار المرض سيتوقف على تطعيم أكبر عدد ممكن من الناس..

ويقول غوير: “إن جينر لم يكن يهدف لتحقيق أرباح من وراء اللقاح، ولم يهتم بحماية اكتشافه ببراءة اختراع، وكل ما كان يريده هو تعريف الناس باللقاح ونشره بين الناس”.

ومن أجل ذلك حوّل كوخًا خشبيًّا في حديقة منزله إلى مركز لتجارب اللقاح، ودعا سكان البلدة لتلقي اللقاح كل يوم أحد بعد الخروج من الكنيسة، ويضيف غوير: “أرسل جينر خطابات لغيره من الأطباء يعرض عليهم عينات من اللقاح ويحثهم على تجربته بأنفسهم حتى يحصل جميع الناس على اللقاح من الأطباء الموثوق بهم في بلداتهم. وهذا يذكرنا بحملات الترويج للقاحات التي يمارسها مؤيدو اللقاحات لإقناع الناس بأهميتها في الحماية من الأمراض”.

نشر اللقاح ونقله

بعد أن نشر جينر نتائج أبحاثه، ذاعت أنباء الاكتشاف في أنحاء أوروبا، ثم ساعده الملك تشارلز الرابع ملك إسبانيا في نشره حول العالم وكان الملك، قد فقد العديد من أفراد عائلته جراء الإصابة بالجدري، وخلف المرض آثارًا وندوبًا عميقة لدى البعض الآخر، ومنهم ابنته ماريا لويزا. وفور سماعه بلقاح جينر، كلّف طبيبا بقيادة بعثة عالمية إنسانية لتوزيعه على السكان في أقصى أطراف الإمبراطورية الإسبانية، مع أن هذه المناطق من العالم، لم ينتشر فيها الجدري إلا بعد أن غزاها المستعمرون الأوروبيون.

وفي عام 1803، أبحرت سفينة إلى أمريكا الجنوبية، وعلى متنها 22 طفلًا يتيمًا ليقوموا بدور حاملي اللقاح، يقول ناجيرا: “لم تكن ثمة سبل لتصنيع لقاحات على نطاق واسع، ولهذا كانوا يعطون اللقاح لطفل، حتى يصاب بالأعراض الخفيفة للمرض، ثم يستخلصون الصديد من التقرحات والجروح على جلده بعد يومين، ويعطونه لطفل آخر وهكذا”. وكانت إيزابيل غوميز، مديرة دار رعاية الأيتام، تعتني بالأطفال طوال الرحلة وحرصت أيضًا على إحضار ابنها ليشارك في البعثة.

يقول غوير: “إن جينر لا يزال في نظري أحد أعظم الأبطال في المجال العلمي، فقد ساهم بإصراره وقدرته على الابتكار في تغيير العالم وإنقاذ ملايين لا حصر لها من الأرواح ولا يزال ينقذ أرواحًا”.

التعليقات مغلقة.