“لست مستعداً بعد” رواية تُقرأ من أجل التأمل في الأسئلة التي تطرحها

د.حسين جبار

تبحث هذه الرواية القصيرة في “الحقيقة والوجود”.. وتعمل اضافة الى ذلك على ثلاثة مستويات متوازية: الحقيقة الفكرية، والسلطة السياسية والإعلامية، والرغبة الإنسانية، والعلاقات الشخصية.

ويمكنني القول بعد قراءتي العميقة لها، إنها أقرب إلى (سيرة فكرية متخيلة) منها إلى (رواية) بمعناها التقليدي.

بطل هذه الرواية صحفي، وهو جندي في الوقت نفسه.. وهو ايضا إنسان يعيش حالة اغتراب مستمرة عن العسكرية والوسط الصحفي والمجتمع الاستعراضي الذي يصف الكاتب مشاهده في (النادي الاجتماعي) عندما يتحدث عن النساء اللواتي يدخلن حياته.. لاحظ قوله: “أنا في وسط لا أنتمي إليه”.. هذه الجملة تلخص شخصيته كلها كرجل يشعر أنه غريب أينما حلّ. ولهذا لا يستطيع الاندماج لا مع النخبة الاجتماعية، ولا مع الوسط الصحفي، ولا مع المرأة التي تنجذب إليه.

في تقديري ان لمياء وسمر بيوتي لا تمثلان شخصيتين نسائيتين فحسب، بل اختبارين مختلفين. فلمياء تمثل الحياة الطبيعية، الاندماج الاجتماعي، الخروج من العزلة. فتخاطبه: “أنت بحاجة إلى التغيير والخروج من الشرنقة التي تحبس نفسك فيها.”

أما سمر فتمثل الإغواء والنجاح المادي والرغبات المؤجلة.

تسأله: “أما زلت تشتهيني؟”

لكن البطل ينسحب في النهاية وهو يقول بانكسار: “لم أكن مستعد أبداً”.

وهنا تتكرر العبارة المحورية للرواية بصيغة مختلفة. فهو ليس غير مستعد للحقيقة فقط، بل للحب أيضا وللحياة ذاتها. انه غير مستعد للمصالحة مع ذاته.

كثير من القراء الذين اعتادوا على القراءة السطحية سيعتقدون أن الرواية تتحدث عن الحقيقة، بينما هي في جوهرها تتحدث عن الاستعداد لها. الحقيقة ليست هي الموضوع المركزي، بل هو “متى يصبح الإنسان مستعداً للحقيقة، وللحب، وللمواجهة، وللحرية؟ وكل هذا من اجل تحمل نتائج اختياراته. فجاءت الجملة الأخيرة: “حين لا تسأل هذا السؤال ستكون قد اقتربت”، وهي في الحقيقة تمثل خلاصة لهذه الرواية التي يمكننا ان نكتشف فيها ثلاثة منابع فكرية واضحة، هي:

اولا التصوف، الذي يتجلى في البحث عن الذات، والمناجاة، والمرشد الغامض، والنور، والسقوط والصعود.

ثانياً: الوجودية التي تتمثل في عدد من الأسئلة: لماذا نجوت من الموت؟ ما معنى وجودي؟ ما دوري في هذا العالم؟

ثالثاً: أدب المثقف المعارض، ويتجلى في: الصراع مع رئيس التحرير. والرقابة الذاتية. والخوف من قول الحقيقة. والعزلة الفكرية.

سترى معي ان فكرة الرواية أفضل من بنائها الروائي. بمعنى أن القضية التي تناقشها مهمة. والرسالة الفكرية واضحة، اما العنوان فناجح جداً. وبعض المقاطع التأملية فيها جميلة ومؤثرة. لكن الشخصيات تحمل افكارا أكثر من كونها شخصيات حية من لحم ودم. كما ان الأحداث محدودة نسبيا، والحوار أحيانا يبدو أقرب إلى مناقشة فلسفية منه إلى حوار طبيعي بين أشخاص. كما ان الرمزية المباشرة تتكرر كثيراً. ولهذا أجد هذه الرواية أقرب إلى ما يمكن تسميته رواية أفكار قصيرة أو نوفيلا فلسفية.

الرواية التي كتبها نزار عبد الغفار السامرائي “لست مستعداً بعد” ليست رواية تُقرأ من أجل معرفة ماذا سيحدث، بل هي رواية تُقرأ من أجل التأمل في الأسئلة التي تطرحها… وتكمن قوتها الأساسية في هاجسها الفكري والأخلاقي المتمثل في العلاقة بين الإنسان والحقيقة وثمن الإفصاح عنها، وفي تصويرها بطلاً يعيش اغترابا دائما عن المجتمع وعن نفسه.

اما ضعف هذه الرواية فيكمن في أن الفكرة كثيراً ما تتقدم على الفن الروائي، فتتحول الشخصيات إلى أدوات لعرض التأملات أكثر من كونها كيانات روائية مستقلة. ومع ذلك، فإن عنوانها يظل من أنجح عناصرها، لأنه لا يصف بطلا بعينه، بل يصف حالة إنسانية عامة: حالة التردد الدائم أمام الحقيقة والحب والحرية والمسؤولية.

عليك ان تقرأ هذه الرواية بعمق لكي تمنحها تقييماً فكرياً أعلى من تقييمها الفني؛ فهي تبدو لي عملاً يحمل أسئلة جادة وطموحة، أكثر مما يحمل إنجازا روائيا استثنائيا على مستوى الحبكة والشخصيات.

رواية: (لستُ مستعدا بعد)

تأليف: نزار عبد الغفار السامرائي

دار الرفاه للطباعة والنشر/ بغداد

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى