قراءة سريعة في الخطاب الاعلامي للاصلاح

نزار السامرائي

 

المتتبع لوسائل الإعلام العراقية يمكن ان يؤشر بسهولة ان (خطاب الاصلاح) هو السائد والمهيمن على المشهد العراقي سواء اكان ضمن خطاب الشارع العراقي او الخطاب السياسي او الخطاب الاعلامي الذي يعد انعكاسا للخطابين الاوليين.

ومع ان مصطلح (الاصلاح) المستخدم في هذه الخطابات الثلاثة هو واحد من الناحية المعجمية ، الا انه في جانب السياق الدلالي يتخذ معان مختلفة داخل خطاب كل فئة ومجموعة ، وهذا بدوره انعكس على الخطاب الإعلامي حيث تتخذ كل وسيلة اتجاها مختلفا عن الاخرى في رؤيتها للاصلاح كمنهج او حركة او دعوة او ما شابه .

فالبعض يستخدمه بمعنى التغيير ، وهو هنا يدعو الى تغيير البنية التي ارتكزت عليها العملية السياسية في العراق لاسيما ما يتعلق بتشكيل الحكومة وتوزيع المسؤوليات في مؤسسات الدولة المختلفة ، وهي بنية تعتمد المحاصصة الطائفية والعرقية ، التي هي بدورها ترتكز على محاصصة بينية داخل الطائفة والقومية نفسها الى محاصصة كتل وائتلافات التي بدورها تنقسم الى محاصصة حزبية ومكونات سياسية. ومثلما نرى ان هذه عملية معقدة تجزء ماهو مجزء اصلا وبالنتيجة فأنها تعتمد على وصول الخواص (داخل مكون سياسي ما) الى مواقع السلطة على اساس انه لا يمثل نفسه بل مكونه السياسي ،وبالنتيجة فالمكون يمثل الائتلاف والائتلاف يمثل الكتلة والكتلة تمثل الطائفة او القومية . لهذا فأنه ينظر الى الانتقاد الموجه الى وزير او مؤسسة معينة بأنه موجه للطائفة او الكتلة التي يمثلها الوزير وتدير عبره هذه المؤسسة .

من هذا الفهم فأن عملية الاصلاح اذا ما اردنا لها النجاح لابد ان تبدأ بهدم المنظومة التي انتجت الوضع الذي نريد تغييره ، لان الاعتماد على ذات المنظومة يؤدي الى تكرار ذات الاشكالات والاخطاء وبالتالي فان عملية التغيير لن تكون سوى تبديل وجوه واسماء بوجوه واسماء اخرى تختلف بالشكل لكنها تتعامل بالمضامين نفسها ، وكأنك يا ابا زيد ما غزيت.

اما الشكل الاخر من خطاب الاصلاح فيتبنى التعامل التدريجي مع الاخطاء المتراكمة عبر السنوات الماضية ، اي ان تتم مراجعة الاسس التي بنيت عليها العملية السياسية ومحاولة تخطيها من قبل المنظومة السياسية الحالية نفسها وذلك عبر الاستعداد بتقديم “تنازلات” من هذه الجهة او تلك من اجل استمرارية العملية السياسية بالشكل الذي بنيت عليه ولكن وفق آليات جديدة تعتمد على “مشاركة” مكوناتية في ادارة الدولة. اي ان الوزير ينظر اليه كممثل المكون (الطائفة/ القومية) ولكن لا يشترط به ان يكون ممثلا عن تيار او كتلة سياسية ما . وبهذا فانه يتم سحب التمثيل الطائفي من الكتل والتيارات السياسية واعتماد الأنتماء المكوناتي الذي يسمح باختيار مستقلين وتكنوقراط لا علاقة مباشرة لهم بالاحزاب والكتل الممثلة بالبرلمان ، وبالتالي فأن هؤلاء يمتلكون حيزا من الاستقلالية في القرار بادارة مؤسساتهم ، كونهم لم يعودوا يمثلون كتلة او مكون بالمعنى السياسي المتعامل به في الوقت الحاضر ، ما يعني ان توجيه الانتقاد او تأشير الخلل او طلب المساءلة امام البرلمان لا يعد مساسا او استهدافا لمكون او كتلة ما، حسبما يجري الان، بل هو جزء من ممارسة رقابية يقيمها البرلمان على الحكومة وفق مبدأ فصل السلطات . وهذا الامر يجمع بين اختيار وزراء مستقلين وبين التمثيل الذي تطالب به الكتل السياسية على اساس المشاركة المكوناتية في ادارة الدولة .

الجانب الثالث من الخطاب الاصلاحي هو الذي يذهب باتجاه التغيير الشامل الذي يصل الى حد تغيير الدستور واعادة كتابته بما يجعل نظام الحكم في العراق رئاسي بدلا عن برلماني واعادة صياغة النظام الانتخابي بشكل يجعله اكثر تمثيلا لاختيارات الشعب والتركيز على نتائج المرشحين وفق صناديق الانتخابات وليس كما يجري الان بالاعتماد على نتائج كتلهم .وهذا الامر يحتاج الى توافق شامل كما انه بحاجة الى مديات زمنية واسعة ،دون نسيان ما يثيره هذا الامر من تخوف اولا فيما يخص النظام الرئاسي بالنظر اليه من زاوية امكانية العودة للنظام التسلطي وسيطرة الفرد على القرار في الدولة ، كما ان الكتل البرلمانية تنظر الى مصالحها فيما يخص النظام الانتخابي الذي تعمل على صياغته بالشكل الذي يجعلها تستمر في الهيمنة على المقاعد الانتخابية عبر استغلاا رموزها السياسية والدينية التي تستطيع الاستحواذ على اصوات الناخبين ومن ثم توزعها بـ”مزاجية” على من ترغب بتواجده في البرلمان وبالتالي تتحكم في تشكيلة الحكومة.

تعدد الرؤى الاصلاحية هذه بقدر ما فتح المجال للنقاش والاختيار الا انه تحول الى ما يشبه الجدل البيزنطي الذي لا يفضي الى نتائج محددة وبالتالي الى تسويف الدعوة للاصلاح واتخاذ خطوات فعلية، وجعلها باب للمناظرة الاعلامية والنقاشات السياسية التي لاتؤدي الى شيء ، طالما ان الكتل تقتصر بدعواتها للاصلاح على رؤيتها دون محاولة التقرب لفهم خطاب الآخر وبالتالي الوصول الى قواسم مشتركة يمكن ان تفضي الى نتائج محددة توضع محل التنفيذ.

وهنا يبرز بوضوح عامل عدم الثقة الذي يشوب العلاقة بين الكتل السياسية المختلفة والذي للاسف تحول الى الشارع العراقي بفعل الخطاب الاعلامي المتشنج والمنفعل والمرائي ،الذي يعمل على اعادة انتاج الخطاب السياسي ، والذي نرى انه احد الاسباب الرئيسة التي تضع اي محاولة للتغيير نحو الافضل محل الشك والارتياب، لاسيما وان ادوات هذا التغيير غالبا ما تكون محسوبة على جهة ما،اوتعمل وفق توجهات جهة ما . وهذا يعني ان عملية الاصلاح لا تعني فقط التغيير بالتشكيلة الحكومية،وانما تتضمن ايضا الافكار والمنطلقات اضافة الى الادوات الفاعلة، حيث تبرز هنا الدعوة المشاعة في الخطاب الاعلامي تحت عنوان (التكنوقراط).

ورغم ان هذه الدعوة لم تتضمن تعريف واضح للمعني بـ(التكنوقراط) وهل هم اصحاب الخبرة ، ام الاكاديميين ، ام هم المستقلين تحديدا ؟ ، وحتى هؤلاء يمكن تصنيفهم الى مراتب عدة ما يجعل المصطلح فضفاضا غير معبر بشكل دقيق عن المراد منه .لاسيما وان الشخص مهما كانت كفاءته يحتاج الى حيز واسع من القدرة على اتخاذ القرار، كما ان الوضع الذي يعيش البلد في ظله يجعل من القرارات بحاجة الى مساحة زمنية كافية حتى تظهر نتائجها.

من هنا فالاصلاح الحقيقي يحتاج الى تغيير في طريقة ادارة المؤسسات وتطويع القوانين بالشكل الذي يفسح المجال للشخص الذي يتبوء المسؤولية مجالاً من العمل بعيدا عن تدخل الكتل السياسية واعضاء مجلس النواب ،حتى يمكن بالتالي تقييمه ومحاسبته على ضوء النتائج التي يحققها .

وللحديث بقية….

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.