ضغوط داخلية وإقليمية لدفع المالكي للانسحاب قبيل جلسة البرلمان الحاسمة

المستقلة/- تعيش الساحة السياسية في العراق حالة من الغليان مع اقتراب جلسة البرلمان المقررة يوم السبت، وسط تصاعد الضغوط على رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للانسحاب من سباق الترشح لرئاسة الحكومة. فبينما تتسارع الاجتماعات خلف الكواليس، بدأت حملة إعلامية وسياسية مركزة تهدف إلى محاصرته سياسيًا ودفعه نحو التراجع، في وقت تترقب فيه القوى الإقليمية والدولية مآلات هذا التحول الحرج في معادلة الحكم.

وبحسب مصادر سياسية مطلعة أكدت لوكالة الصحافة المستقلة، فأن الحملة ضد المالكي ليست مجرد مواقف فردية، بل جزء من تنسيق أوسع تقوده قوى مختلفة داخل البرلمان وخارجه، مدعومة بإشارات إقليمية واضحة بعدم الرغبة في عودته إلى السلطة. وبينما تتعدد أدوات الضغط، يتقاطع الهدف النهائي عند نقطة واحدة: تغيير مسار الترشيح قبل لحظة التصويت.

حملة مركزة تشمل الإعلام والكواليس السياسية

تشير التطورات الجارية إلى أن الحملة ضد المالكي بدأت تأخذ طابعًا تصاعديًا، يعتمد على مزيج من التحشيد الإعلامي والضغط السياسي المباشر. فقد لوحظ تنسيق في تسريب تقارير صحفية تسلط الضوء على حقبته السابقة، وتربطها بالأزمات الأمنية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، ما يعزز مناخ الرفض الشعبي والسياسي تجاه عودته.

في المقابل، تجري لقاءات مكثفة بين كتل سنية وكردية، إضافة إلى بعض القوى الشيعية المعارضة لترشيحه، بهدف تشكيل جبهة برلمانية مانعة أو الدفع نحو مرشح بديل يحقق قدراً أعلى من التوافق الوطني. ولا تخلو هذه الحوارات من تهديدات غير معلنة، تتراوح بين التلويح بالمقاطعة، وتعليق المشاركة في الحكومة، وصولاً إلى التحذير من خطوات دولية قد تؤثر على مسار الدعم الخارجي للعراق.

تضارب الحسابات داخل الإطار الشيعي والكتل الأخرى

رغم أن المالكي يحظى بدعم فاعل من بعض أطراف الإطار التنسيقي، إلا أن الانقسام داخل هذا التكتل بات واضحًا. فبعض الفصائل تعتبر ترشيحه خطوة تؤسس لهيمنة جهة واحدة على القرار السياسي، ما قد يؤدي إلى تقويض مبدأ الشراكة داخل البيت الشيعي. كما أن قوى رئيسية داخل الإطار تفضل الدفع بمرشح أقل إثارة للجدل وأكثر قابلية للقبول الوطني.

الكتل الكردية، من جانبها، تتمسك برفض المالكي بسبب تجارب سابقة شهدت توترًا مع حكومته، خصوصًا فيما يتعلق بالموازنات، وصلاحيات الإقليم، وملف كركوك. وهي ترى في المرحلة الحالية فرصة لإعادة تثبيت حقوقها الدستورية عبر التفاوض مع مرشح يتعامل بحساسية مع الملفات العالقة.

أما الكتل السنية، فتخوض هذا الصراع بمنظور تقاسم النفوذ في الحكومة المقبلة، وتركز على ضمان حضورها في الوزارات الأمنية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، تميل إلى دعم خيار توافقي يضمن التوازن داخل التشكيلة الحكومية، ويحول دون تكرار تجربة التهميش التي عانى منها المكون السني في مراحل سابقة.

القوى الإقليمية والدولية تراقب بصمت وتؤثر بهدوء

لا يمكن فصل المشهد العراقي عن سياقه الإقليمي والدولي، حيث تمارس عدة عواصم تأثيرًا مباشرًا وغير مباشر على مسار التوافقات. إيران، التي تملك علاقات متشابكة مع مختلف أطراف الإطار التنسيقي، تجد نفسها في موقف حرج. فهي من جهة ترغب بالحفاظ على نفوذها، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطًا من حلفائها داخل العراق للقبول بتسوية سياسية تُجنب البلاد الانقسام.

تركيا والسعودية تتابعان التطورات من زاوية مصلحية، حيث تسعى أنقرة إلى حكومة يمكنها التعاون في ملفات الأمن الحدودي والاقتصاد، فيما تبحث الرياض عن شريك في بغداد يمكنه الموازنة بين الاستقلالية السياسية والانفتاح على دول الجوار. أما الولايات المتحدة، فتراقب المشهد عن كثب، وتحتفظ بأوراق ضغط اقتصادية وأمنية قد تستخدمها إذا ما أدى الصراع الحالي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.

المالكي بين الانسحاب الطوعي والمواجهة البرلمانية

أمام هذا المشهد المركب، تتقلص خيارات نوري المالكي إلى سيناريوهين رئيسيين. الأول، يتمثل في انسحابه طوعًا من الترشح، ما قد يُجنب البلاد أزمة محتملة، ويفتح الباب أمام تسوية داخل الإطار التنسيقي تقود إلى اختيار شخصية بديلة تحظى بقبول أوسع. هذا الخيار، رغم كلفته الرمزية، قد يعزز من صورة المالكي كقيادي يقدّم مصلحة الدولة على طموحه الشخصي.

أما السيناريو الثاني، وهو الإصرار على الترشح، فيعني الدخول في مواجهة مباشرة مع معارضة برلمانية واسعة، ما يُنذر بتعطيل جلسات التصويت، وتأجيل تشكيل الحكومة، وربما العودة إلى حالة الشلل السياسي التي عرفها العراق في السنوات الماضية. وهذا السيناريو قد يحمل تبعات اقتصادية وأمنية فادحة، خصوصًا إذا اقترن بامتعاض إقليمي ودولي من آلية إدارة المرحلة الانتقالية.

معركة رئاسة الوزراء… انعكاس لصراع النفوذ والتحالفات

من الواضح أن معركة رئاسة الوزراء لم تعد محصورة بشخصية نوري المالكي، بل أصبحت عنوانًا لصراع أوسع بين الكتل السياسية حول شكل الدولة العراقية في المرحلة المقبلة. فالخلافات الراهنة تعبّر عن إعادة توزيع موازين القوة داخل البرلمان، ومحاولة كل طرف تأمين حصته في خارطة الحكم.

كما أن التوازنات الخارجية تُلقي بثقلها على الداخل العراقي، ما يجعل قرار البرلمان يوم السبت بمثابة اختبار حقيقي لسيادة القرار الوطني، وقدرة القوى السياسية على تقديم تنازلات متبادلة تحفظ استقرار البلاد، وتحول دون الانزلاق إلى مزيد من التأزم.

العراق أمام مفترق طرق حاسم

كل المعطيات تشير إلى أن العراق مقبل على مفترق طرق سياسي حاسم، سيكون لجلسة البرلمان المقبلة دور كبير في تحديد اتجاهه. فإما توافق يُفضي إلى حكومة مستقرة تراعي التنوع السياسي والمناطقي، وإما انقسام حاد يُعيد البلاد إلى دوامة الجمود والانقسام.

ويبقى الرهان على قدرة القوى السياسية على تجاوز الاعتبارات الفئوية، والانتصار لمبدأ الشراكة الوطنية، كسبيل وحيد لتجاوز اللحظة الحرجة، وتثبيت دعائم دولة قادرة على الاستجابة لتحديات الداخل، وتوازن علاقاتها بالخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى