دور المنظّمات الدّوليّة في ظلّ العولمة المتباطئة

يانغلو لي

كلّيّة الدّراسات الآسيويّة والإفريقيّة/جامعة الدّراسات الدّوليّة بشانغهاي

 

أُغْنِيَةُ الوَفَاءِ

لَقَدْ أَحْزَنَتْنَا هَذِهِ الأَزْمَةُ الطَّوِيـ    ـلَةُ الضَّيْرِ إِذْ إِنَّ الكَثِيرِينَ قَدْ تُوفَوْا

وَلَمْ نَقْوَ إِلَّا فَعْلَ فِعْلِ المُسَاهَمِيـ    ـنَ فِي مَنْعِهَا وَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ أَوْفَوْا

 

بعد تفشّي فيروس كورونا المستجدّ عام 2019، تغيّر مسار العولمة الاقتصاديّة بشكل واضح ، وبقي يؤثّر تأثيرا على العالم بما في ذلك الصّين والدّول العربيّة. وكشفت هذه الأزمة عن سعر التّكلفة في معالجتها عن طريق تطبيق النّظام الدّوليّ غير الكامل. أمّا المنظّمات الدّوليّة، فتلعب دورا لا غنى عنه في عصر العولمة المتباطئة. وعلى العالم التّفكير في كيفيّة المشاركة الفاعلة في الحوكمة العالميّة عن طريق المنظّمات الدّوليّة، وذلك لأنّه لا زال أمامنا طريق طويل لاندمال جرح الاقتصاد العالميّ وتذليل الأزمة.

1- سلبيّات العولمة

لا تزال العولمة الاقتصاديّة كلمة عاليّة التّردد حتّى اليوم بعد تنميتها لثلاث فترات. وهناك تعريفات عدّة للعولمة. مثلا إنّها تشجّع على التّدفّق الحّر لعوامل الإنتاج وتحسين تخصيص الموارد وإزالة حواجز المكان والزّمان والثّقافة.

باختصار يمكن القول أنّها تمثيل للاتّكال المتبادل والتّكامل بين دول العالم.

وتحت قيادة الثّورة المعلوماتيّة والتّكنولوجيّة، تسعى جميع الدّول باستمرار إلى تحقيق التّقدّم، وأصبحت المنافسة الدّوليّة أشرس، فساهم إنشاء النّظام الاقتصاديّ الجديد في تشكيل العولمة. انطلاقا من مسار الحضارة الإنسانيّة في التّاريخ، يمكن القول أنّ العالم يخطو نحو الأفضل بشكل عام، ولكنّ المشاكل الأمنيّة المفاجئة لا تزال تعيق تقدّم البشريّة بشكل متقطّع.

في عام 1994، لخّص برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ بعض عوامل رئيسيّة تهدّد الأمن البشريّ مثل الاقتصاد والغذاء والصّحّة والبيئة وغيرها. من الإنفلونزا الإسبانيّة عام 1918 والسّارس عام 2003 والإنفلونزا- أ عام 2010 والإيبولا عام 2019 إلى فيروس كورونا المستجدّ عام 2019 الّذي اجتاح أكثر من 200 دولة في ستّ قارّات وأصاب أكثر من 6 ملايين شخص، يدلّ تفشّي الوباء على أنّ سلامة الإنسان ترتبط ارتباطا وثيقا بالعوامل الصّحّيّة والبيئيّة.

قد توضع علامة الاستفهام في الجملة الآتيّة: العولمة قادرة على تحسين صحّة الإنسان والبيئة المعيشيّة.

وتعدّ الدّعوة إلى مناهضة العولمة ليست قولا لا أساس له، لأنّ تفشّي فيروس كورونا المستجدّ قد أظهر عيوبها. أوّلا تعدّ العولمة سيفا ذا حدّين، فبينما تجلب منافع اقتصاديّة، فإنّها تخفي أيضا خطر انتشار الفيروس. وفي العقود الماضيّة، كان الاقتصاد العالميّ متشابكا. ولهذا السّبب، ساعد التّنقّل المفرط للسّكان والتّبادلات المكثّفة بين النّاس على انتشار الوباء.

ثانيا لم تكن العولمة تستقرّ كلّ استقرار، فبعد أن أعلنت منظّمة الصّحّة العالميّة أنّ فيروس كورونا المستجدّ وباء عالميّ في مارس هذا العام، قامت كثير من الدّول بإغلاق حدودها وتقييد السّفر الدّوليّ واحدة تلو الأخرى، وعاد الطّلّاب والعمال إلى دولهم، وقد أدّى تنفيذ إستراتيجيّة الإغلاق إلى إضعاف اقتصاد الدّول المتضرّرة من الوباء.

ثالثا تتراكم المخاطر الخارجيّة بسبب العولمة، وبمجرّد حدوث أزمة ما، فإنها ستؤثّر على معظم دول العالم. وفي الماضي، كانت سلاسل التّوريد والصّناعيّة العالميّة القويّة تمتدّ إلى أنحاء العالم، ممّا ينشّط الاقتصاد العالميّ، بحيث يمكن للشّركات استخدام المزايا الجغرافيّة والموارد لتنظيم الإنتاج والنّقل. عطل الوباء نظام سلاسل التّوريد وشبكات التّوزيع والنّظام المالي الدّوليّ، وتراجعت مبيعات السّلع الاستهلاكيّة مثل الهواتف المحمولة والسّيارات، وتراجع الاقتصاد الإقليميّ بشدّة، وانتشرت الأزمات الثّانويّة من خلال التّأثير التّموّجيّة، فيحدث ذلك إغلاق الأعمال التّجاريّة وبطالة الموظفين في مختلف الدّول.

أخيرا، تخفي العولمة بعض العلل نظاميّا، فالعولمة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاقتصاد العالميّ وهي وحدة معقّدة متشابكة، فقد يؤدّي القرار والحكم غير المناسبين إلى سهولة شلّ هذا النّظام. وكشف الوباء عن مشاكل في النّظام الدّوليّ، وبدأ النّاس يتساءلون عن صحّة نظام الحوكمة الدّوليّة بسبب تأخّر الاستجابة الدّوليّة للطّوارئ والإنقاذ. بالإضافة إلى ذلك، اشتدّت التّناقضات بين السّياسات الهيمنيّة والتّفاوضيّة والأحاديّة القطبيّة والتّعدّديّة الأقطابيّة منذ ظهورها. وفي هذه الأزمة، لم يكن التّعاون بين الدّول مرضيا، وتفضي إلى تصاعد التّناقضات الدّوليّة بسرعة وبما فيها دول قياديّة في مجال الاقتصاد. بدافع المصالح الذّاتيّة، تتبنّى بعض الدّول سياسات خارجيّة أحاديّة الطّرف، وتهتم بمفردها دون الأخرى، وتفتقر إلى الثّقة المتبادلة، فتتجاهل التّعاون الدّوليّ عندما تركّز على الشّؤون الدّاخليّة.

2- حتميّة تباطؤ عجلة العولمة

في بداية يونيو هذا العام، توقّع صندوق النّقد الدّوليّ أنّ الاقتصاد العالميّ سيتراجع، وإن لم تندلع الموجة الثّانية من الوباء، فقد تمتدّ آثار الموجة الأوّلى منها على الاقتصاد إلى عام 2022، بحيث تتباطأ العولمة، فتدخل فترة غير مستقرّة. وإن أصيبت بالشّلل، ستستغرق مدّة ما للتّعافي. وفي الوقت الحاضر، لا يوجد أيّ دليل مبين لإثبات أنّ الاقتصاد العالميّ قد وصل إلى الحضيض، ولم يتم تحديد مدةّ العولمة المتباطئة ومدى تأثيرها. ومع ذلك، يمكن التّأكّد من أنّ الاقتصاد سينتعش بعد أن يصل إلى القاع، ستزداد سرعة العولمة المتباطئة حينذاك.

لذلك، فإنّ إنكار وجود العولمة المتواطئة، حكم غير سليم. أوّلا يؤثّر الوباء تأثيرا على هيكل النّظام السّياسيّ الدّوليّ، وتتغيّر العلاقات الدّوليّة. ومع تغيّر القوى الشّرقيّة والغربيّة، تكون العلاقات بين الصّين والعالم العربيّ والولايات المتّحدة وأوروبا لها خصائص مختلفة، وستتغيّر هذه الخصائص حسب العوامل العديدة غير المؤكّدة في المستقبل. وتعدّ هذه الأزمة بمثابة إنذار للآليّات الدّوليّة القائمة، وتساعد مختلف الدّول على تلخيص أوجه القصور في الحوكمة، فتصبح مفاهيم الحوكمة أكثر عدلا ومعقوليّة، ممّا يساعد على استكشاف المزيد من نماذج التّعاون الجديدة وإنشاء آليّات ثنائيّة وتعدديّة أكمل. وسيتّجه العالم نحو تعدديّة الأقطاب المتوازنة، وستواصل الدّول والمناطق ذات العلاقات الوثيقة تعزيز التّعاون الإقليميّ، كما ستتساير الإقليميّة المحليّة مع العولمة المتباطئة.

ومن بين أسباب عدم حدوث عكس العولمة أن التّكنولوجيا لن تختفي، وهي بصفتها حافزا لتحفيز تقدّم العالم ما زالت دعمت العولمة المتباطئة.

ثانيا يصعب تعافي التّجارة الدّوليّة وسلاسل التّوريد والصّناعيّة بسرعة في المدّة القصيرة، ولكنّ الوباء لن يغيّر بشكل جذريّ الاتّجاه الاقتصادي العالميّ وتخطيط سلاسل القيمة. وتأثّرت سلاسل التّوريد المتعدّدة للشّركات المتعدّدة الجنسيّات مثل آبل وسامسونج بالوباء تأثّرا مؤقتا، والأمر الّذي أدّى إلى انخفاض الأرباح، ولكنّ هذه الشّركات العملاقة ستتّخذ تدابير لتغيير أساليب الإنتاج واللّوجستيات، وتسعى إلى طريق تطوير أكثر مرونة مدعومة بالتّكنولوجيا، وأصبحت الثّورة التّكنولوجيّة هي وسيلة مهمة لحلّ الأزمة، كما تستأنف الدّول الإنتاج وإجراءات التّوظيف تركيزا على الانتعاش الاقتصاديّ المحليّ. ثالثا لن يؤدّي الوباء إلى إنهاء التّرابط بين الدّول، وهو في الواقع ترابط بين الشّعوب.

وأثبتت الحقائق أنّ “الدّول إذا تآلفت تفيد بعضها بعضها، وإذا تنافرت تسيئ بعضها بعضا” ولا سيّما عند التّعامل مع الأزمات العالميّة، فلا يمكن “إغلاق البوابة” لمعالجة الأمور لأنّ أيّا منها ليست كائنة في العالم بمفردها. ولا يمكن التّخلّص من الأزمة وضمان سلامة البشريّة المشتركة والتّنمية السّليمة لعلاقة الاعتماد المتبادل بين جميع الدّول في ظلّ العولمة المتباطئة إلّا من خلال التّعاون والتّشاور والتّفاهم المتبادل. وفي عصر ما بعد الوباء، تعدّ كيفيّة تعميق التّعاون بين الصّين الدّول العربيّة للاستجابة للأزمات والمشاركة في الحوكمة العالميّة هي قضيّة تحتاج إلى تأمّل متزايد.

مع تطوّر التّكنولوجيا وزيادة عدد السّكان بسرعة، فإن العولمة هو عمليّة تاريخيّة غير قابلة للرّجعة من قبل البشريّة. وأثّر الوباء حاليّا على العديد من الدّول والسّكان، واكتنف المناطق الكثيرة ذعر جماعي، ولكنّ الأزمة نفسها هي أفضل درس. وفي مواجهة هذه “الحرب العالميّة الخاليّة من الدّخان”، يقدر النّاس على فهم قضايا الأمن غير التّقليديّ على نحو بديهيّ، وذلك يساعدهم على تغيير المفاهيم القديمة، والتّفكير في أنماط الحياة والمعنى الحقيقيّ للحياة وحماية البيئة. وسيولي النّاس أيضا مزيدا من الاهتمام بالصّحّة، ويحافظون على العادات الصّحيحة في الأماكن العامة والشّخصيّة، وسيولون كذلك مزيدا من الاهتمام بالتّعليم. لذلك سيتطوّر التّكنولوجيّ القائم على الإنترنت والبيانات الضّخمة على قدم وساق، فستساعد البنيّة التّحتيّة التّكنولوجيّة الجديدة على تعافي الاقتصاد. خلاصة القول إنّ هذا الوباء هو امتحان ليمتحن ما إذا كانت الدّول تقدر على استغلال مزايا العولمة الاقتصاديّة وتجنّب معايبها.

3- تفاعلنا مع المنظّمات الدّوليّة

على ضوء الوضع الحاليّ، يتعيّن على الصّين والدّول العربيّة مواصلة القيام بوظائفهما في المجالين الطّبّيّ والصّحّيّ وغيرهما، وإجراء التّنسيق والتّعاون الدّوليّين من أجل حماية المصالح المشتركة للمجتمع الدّولي في عصر ما بعد الوباء. وأشار المؤتمر الوزاريّ التّاسع لمنتدى التّعاون الصّينيّ العربيّ إلى أنه “منذ تفشّي فيروس كورونا المستجدّ، وقفت الصّين والدّول العربيّة معا في أوقات صعبة، وتساندتا بعضهما بعضا، وتبادلتا الدّعم بعضهما بعضا، كما تعاونتا بشكل وثيق، لأنهما تحتاجان إلى تعزيز التّعاون للتّغلّب على الصّعوبات والتّقدّم المشترك إلى الأمام أكثر ممّا احتاجتا إليهما في أيّ وقت ماض”. ولا يمكن معالجة الأزمة الخفيّة إلّا من خلال احترام الحقائق الموضوعيّة وتعزيز التّعاون الدّوليّ ودعم التّعدديّة، والأمر الّذي لا يمكن فصله عن دعم المنظّمات الدّوليّة. ويمكن إرجاع تشكيل المنظّمات الدّوليّة إلى القرن التّاسع عشر. ومن مؤتمر فيينا الّذي سعى إلى إرساء قواعد العلاقات الأوروبيّة في إطار توازن القوى بعد الحرب النّابليونيّة عام 1815، ومؤتمر باريس الذي تم توقيع معاهدة باريس للسّلام بعد حرب قرم عام 1856 إلى مؤتمر برلين عام 1884، عالجت القوى الأوروبيّة شؤونا داخليّة عن طريق المؤتمرات الدّوليّة لحماية مصالحها الخاصّة. بعد ذلك، دعت أوروبا إلى إنشاء مؤسسات ذات وظائف إداريّة متخصّصة مثل الاتّحاد الدّوليّ للبرق والاتّحاد البريديّ العام، وهي بداية ظهور المنظّمات الدّوليّة الحديثة. وفي القرن الماضي، دعت الولايات المتّحدة وحلفاؤها إلى إنشاء صندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ ومنظّمة التّجارة العالميّة لتوفير أسلحة قويّة للحفاظ على نظام “بريتون وودز” بعد الحرب العالميّة الثّانيّة.

وقامت هذه المنظّمات الدّوليّة بتخصيص القواعد الدّوليّة، وتجاوزت أنشطتها حدودا جغرافيّة معيّنة في منطقة ما، وامتازت بمكانة وتأثير دوليّتين، فعززت العولمة حصريّا للولايات المتّحدة والغرب. بالإضافة إلى المنظّمات الدّوليّة المكوّنة من حكومات ذات سيادة، لاحت أيضا بعض منظّمات دوليّة غير حكوميّة أنشأتها بعض المجموعات في إطار اتّفاقيّات محدّدة، ولها أغراض وخصائص مختلفة مثل الصّليب الأحمر الدّوليّ وغرفة التّجارة الدّوليّة.

وفي القرن الحادي والعشرين الّذي تسوده العولمة الاقتصاديّة والتّعدديّة الأقطاب والإقليميّة المحليّة، لاح الفرق الشّاسع بعد ظهور وتطور المنظّمات الدّوليّة النّاشئة مع المنظّمات القديمة، بحيث تلعب القوى الجديدة دورا متزايد الأهميّة في تجديد الخطاب على السّاحة العالميّة، فغيّرت ملامح العالم الّتي امتازت بالهيمنة الطّويلة الأمدّ انقيادا للولايات المتّحدة والغرب، وذلك من “تعاون 10 + 3″ بين الآسيان والصّين واليابان وكوريا الجنوبيّة و”تعاون 16 + 1” بين الصّين وأوروبا الوسطى والشّرقيةّ ونموذج “بريك +” إلى مجموعة العشرين الّتي تم إطلاق المؤتمر الوزاريّ عام 1999 والقمة على مستوى القادة عام 2008.

ومع ظهور المنظّمات الدّوليّة النّاشئة، تتكامل المنظّمات الحكوميّة مع المنظّمات غير الحكوميّة في مختلف المجالات، واتّسع مدى اتّصالاتها الدّوليّة، فأصبحت جهة دوليّة فاعلة لها سلطة وقدرة معينة. وفي عصر العولمة، لا تزال المنظّمات الدّوليّة جهة تنفيذيّة مهمّة لتشغيل الآليّات الدّوليّة، وتلعب دورا لا يقوم مقامه دور الدّول ذات السّيادة، فلا يمكن حلّ أيّ قضايا عالميّة وإقليميّة بشكل كامل دون مشاركة المنظّمات الدّوليّة.

في مواجهة الوباء، التزمت بعض المنظّمات الدّوليّة بمهمّتها مثل الاتّحاد العالميّ لألعاب القوى واللّجنة الأولمبيّة الدّوليّة واللّجنة الأولمبيّة الدّوليّة للمعاقين، فنسّقت أحداثا رياضيّة ونظّمتها على خير وجه، وذلك لضمان استضافة أولمبياد طوكيو وأولمبياد المعاقين للتّشجيع على تطوير الرّياضة البشريّة.

أمّا الأمم المتّحدة الّتي تكون تمثيلا أفضل للمنظّمات الحكوميّة الدّوليّة، فتعمل بنشاط على تعزيز إدارة قوات حفظ السّلام لدى أفريقيا والشّرق الأوسط.

وفي حين منع العنف العرقيّ، تعمل أيضا على صياغة التّدابير لمكافحة الوباء لحماية صحّة وسلامة السّكان المحليّين وصيانة السّلام العالميّ بجدّيّة.

أمّا منظّمة الصّحّة العالميّة، فهي بصفتها منظّمة موثوقة في مجال الصّحّة العامة تؤدّي دورا مهما في هذه الأزمة المتعلّقة بسلامة الإنسان، ولم تقتصر على تتبّع انتشار الوباء منذ المراحل الأولى لحذر الدّول وإبلاغها بآخر الأوضاع ونشر سياسات الوقاية فحسب، بل تبدّد طاقتها للتّعامل مع الأزمات الّتي تسبّبت عن الأمراض والمشاكل الصّحّيّة الأخرى كذلك.

وفي المرحلة الحرجة الّتي تتعلّق بمصير البشريّة، فإنّ أيّ فعل لتقليص نفقاتها التّشغيليّة هو عمل غير إنسانيّ وتنقصه مشاعر مسؤوليّة. وإنّ الدّول الّتي أصرّت على الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التّابع للأمم المتّحدة واليونسكو واتّفاقيّة باريس للمناخ واتّفاقيّة إيران النّوويّة وغيرها هي تبنّت بالفعل سياسة العزلة الذّاتيّة، وكانت أفعالها بمثابة التّهرّب من الالتزامات الدّوليّة.

4- خلاصة

تسبّبت الأزمة الماليّة لعام 2009 في انخفاض التّجارة العالميّة. فلا دولة تريد الإصابة بالمحنة المماثلة في عصر بعد الوباء. وفي هذه الفترة من التّغيّرات الكبرى، لا يزال العالم مهدّدا بعدّة عوامل ظاهرة أو خفيّة، ولا يكفي الاعتماد على العلم والتّكنولوجيا أو الدّول ذات السّيادة للحفاظ على السّلام والتّنمية، فستضطلع المنظّمات الدّوليّة المختلفة بمسؤوليّات للحفاظ على النّظام العالميّ ومصالح الدّول، والبيئة الطّبيعيّة والتّراث الثّقافيّ، والاستجابة للأمراض والمجاعات وما إلى ذلك. وهي بصفتها داعما للتّعاون الدّوليّ تحلّ بشكل فعال النّزاعات الدّوليّة في مختلف المجالات وتحقّق التّقدّم المشترك. لذلك يعدّ الانحساب من عضويّة المنظّمات الدّوليّة أو بناء المنظّمات الجديدة فعلا عبثيّا. أمّا الصّين والدّول العربيّة، فقد ضربت مثالا في هذه الأزمة، فيكون الاهتمام بالتّعاون والرّعاية الإنسانية، وتسريع عمليّة تبادل الموارد، وتعزيز الانفتاح والاستثمار، وخلق بيئة الأعمال التّجاريّة الحسنة هي صالحة للانتعاش الاقتصاديّ. وإذا عمل جميع الأطراف معا على تنفيذ تلك الأعمال المذكورة أعلاه، يكون هذا الانتعاش محقّقا في المستقبل القريب.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.