
“دخان أنثوي”.. ظاهرة التدخين بين النساء في العراق تتصاعد وتثير الجدل المجتمعي والصحي
المستقلة/- في مشهدٍ لم يكن مألوفاً قبل سنوات، باتت رائحة “الاركيلة” والسيجارة تتسلل من المقاهي النسائية والمطاعم العائلية في العراق، لتكشف عن ظاهرة اجتماعية جديدة تتنامى بسرعة: انتشار التدخين بين النساء.
بحسب تقرير لوكالة المستقلة، فإن الظاهرة التي بدأت “خفية” في بعض المدن العراقية، خرجت اليوم إلى العلن بقوة، خصوصاً في كركوك وبغداد والبصرة، حيث أصبحت مشاهد النساء المدخنات جزءاً من الحياة اليومية.
من “الفضول” إلى العادة
تروي سمر محمد (28 عاماً)، موظفة من كركوك، أنها جربت التدخين أول مرة بدافع الفضول في جلسة نسائية، لكنه تحول لاحقاً إلى عادة. تقول:
“في السابق كنا نخاف من كلام الناس، أما اليوم فالأمر أصبح عادياً. أغلب زميلاتي يدخنّ الأركيلة بعد الدوام، ولا أحد يستغرب.”
تابع وكالة الصحافة المستقلة على الفيسبوك .. اضغط هنا
وفي جولة داخل مقاهي كركوك، بدا أن المشهد تغيّر كلياً، فالكثير من الطاولات النسائية امتلأت بأركيلات ملونة، وبعض الفتيات يصورن جلساتهن وينشرنها على وسائل التواصل.
أرقام صادمة
بحسب أطلس التبغ لعام 2024، بلغت نسبة المدخنين البالغين في العراق نحو 19%، من بينهم 2% من النساء — أي ما يزيد على 200 ألف مدخنة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن استهلاك التبغ في العراق يكلّف الاقتصاد أكثر من تريليوني دينار سنوياً، بين نفقات علاجية وخسائر إنتاجية بسبب الأمراض المزمنة.
تحولات اجتماعية وثقافية
يقول الباحث الاجتماعي فارس البياتي إن الظاهرة تمثل “تحولاً ثقافياً بعد 2003″، موضحاً أن “المرأة العراقية وجدت مساحة أوسع من الحرية، وصارت الأركيلة وسيلة للتعبير عن الذات أو تقليد لما تشاهده عبر الإعلام.”
وفي المقابل، يرى أصحاب المقاهي أن ثلث الزبائن باتوا من النساء، غالبيتهن موظفات وطالبات، ويفضّلن نكهات الفواكه أو النعناع، معتبرين التدخين “تسلية بعد العمل”.
تحذيرات طبية وتقصير قانوني
الطبيب سعدون العزاوي من مستشفى كركوك العام يحذر من أن “الأركيلة أخطر من السيجارة بخمس إلى عشر مرات”، إذ تعادل جلسة واحدة تدخين مئة سيجارة تقريباً.
ورغم صدور قانون مكافحة التبغ رقم 19 لسنة 2012، فإن تطبيقه “شبه غائب”، بحسب دائرة صحة كركوك، ما سمح بانتشار المقاهي التي تقدم الشيشة بحرية.
بين الحرية والإدمان
الخبيرة النفسية وسن العزاوي تفسر الظاهرة بأنها “رد فعل نفسي على الضغوط الاجتماعية والاقتصادية”، مشيرة إلى أن وسائل التواصل “جعلت التدخين يبدو موضة أو حرية شخصية، خصوصاً لدى الفتيات الصغيرات”.
وتختم العزاوي بالقول:
“المرأة قد ترى في التدخين استقلالاً، لكنه في الواقع باب إلى الإدمان ومشكلات صحية خطيرة.”
وبينما ترى بعض النساء التدخين رمزاً للحرية، يبقى الثمن الصحي والاجتماعي باهظاً، في ظل غياب رقابة فعالة وتزايد تقبل المجتمع لهذه الظاهرة الجديدة.





