حراك تشرين .. الأهداف والمآل

نزار السامرائي

في الأيام الأولى لأنطلاق تظاهرات تشرين الاحتجاجية، سالني أحد الزملاء عن رأيي بالأمر وأن كانت التظاهرات ستحقق شيئا. قلت: أن التاريخ يشير الى أن مثل هذه التحركات لا تتمخض عن نتائج مباشرة، وذلك لطبيعتها وتنظيمها، وهو ما حصل في دول مختلفة. اما بالنسبة للمقارنة مع تجربتي تونس ومصر فأن الذي حسم الموقف هو تدخل الجيش، فالتظاهرات والاحتجاجات كانت عاملا على أن يتدخل الجيش لاسقاط النظام السابق والتأسيس لنظام لاحق يحظى بتأييد جماهيري أكبر.

عاد صديقي وطرح سؤال: لماذا اذا تؤيد التظاهرات ؟!.. قلت المسألة لا تتعلق بنتائج مباشرة، نعم لا يمكن لهؤلاء الشباب فرض ما يريدون ، ولكن لابد وأن يخلفوا اثرا واضحا سواء على المدى القريب او البعيد.

ما اريد قوله وانا اطالع المنشورات المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي سواء تلك التي تعبر عن خيبة امل او تلك التي تتناول الموضوع بتشفي ، أن النتائج لا يمكن ان تكون آنية فهي ليست انقلاباً، او ثورة مخطط لها، كما أن الآلاف الذين شاركوا في التظاهرات باشهرها الأولى ليسوا كتلة واحدة بقدر ما هم كتل متعددة، والكثير منهم شاركوا منفردين فقط للتعبير عن الشعور الذي يشعرون به، وهم ما يطلق عليه الأغلبية الصامتة التي لا شأن لها بلعبة السياسة والأحزاب، ولكن مجرد مواطنين اتيحت لهم الفرصة للتعبير عما يشعرون به.

وهنا فأن النتائج الحقيقية التي يمكن ان نقيسها بأثر التظاهرات يمكن ان تكون تلك المواقف التي اتخذها مواطنون ما كان يعنيهم ما يجري في البلد، ويقفون على جانب يتفرجون بصمت. كما يمكن ان تكون اكثر وضوحا في الانتخابات المقبلة وأن كانت ستتمخض عن تغيير حقيقي ام لا .. والتغيير هنا لا يعني ابدا استبعادا الأحزاب الموجودة ، وهو احد المطالب الطوباوية وغير الممكنة التي رفعها المتظاهرون فيما بعد، فالاحزاب القائمة لها أنصارها وكياناتها وتنظيمها وبالتالي فأن تجاهلها او استبعادها ليس بالشيء الصحيح ،فلا يمكن رفض أمور نجدها سلبية باتخاذ مواقف سلبية بالكامل تجاه الآخر. لا يمكننا أن نشعر بالأختلاف مع الآخر حتى نلغي وجوده، فهذا الامر مخالف للمنطق، والسياق التاريخي، والجماهيري.

لذلك فأن شعار التغيير لا يعني تغيير النظام السياسي القائم، لأنه وفق المعايير الأساسية لا بديل عنه الآن ، ولكن التغيير المطلوب في طبيعة التعامل مع النظام السياسي والقائم على المحاصصة، والهيمنة الحزبية، وسلطة السلاح خارج إطار المؤسسة الرسمية، واجراء الانتخابات بتلك الكيفية التي تجعل من نتائجها محسومة حتى قبل اجرائها، وما الى ذلك من الأمور التي افرغت النظام السياسي من طبيعته، وحولته الى نوع من الفوضى والانحياز الطائفي والقومي، وبالتالي اشاع عدم المساواة، وتفشي الفساد، وارتفاع نسب البطالة، وعدم وجود خطط استراتيجية واضحة لاعمار البلد، او النهوض باقتصاده، و انهيار الصناعة والزراعة المحلية لصالح رؤوس الأموال الضخمة التي تعمد على اغراق السوق بالبضائع المستوردة، والأكثر سوء من كل هذا العمل لصالح الدول الأخرى على حساب البلد ومواطنيه.

أن تقييم النتائج الحقيقية للتظاهرات يمكن أن نقرأه وفق استطلاع المستقبل، فأن كان الامر كما هو فقد ضاعت دماء الشهداء، وأن كان الامر سيجد طريقه الى الإصلاح سواء بالكيانات القائمة او كيانات جديدة فستكون التظاهرات قد اثمرت.

وهنا أود الإشارة الى أن هذا لا يعني ابدا الاستجابة الى دعوة تحول المتظاهرين او قادة التظاهرات الى كيان حزبي هدفه دخول الانتخابات كما دعا الناطق باسم رئيس الوزراء، فهذا فخ يبعد الحراك عن صفاته المدنية، ويحيله الى كيان سياسي شأنه شأن أي كيان آخر.. أن الأساس الأول للمجتمع المدني انه لا يسعى الى السلطة، بل إصلاحها ودعم من يجد فيه القدرة على تمثيل مصالحه، ام ان يكون هو من يترشح للانتخابات فأن المدنية ستسقط عنه وعندئذ يصبح جزء من السلطة لا غير.

التعليقات مغلقة.