الهزيمة من الداخل / أسعد العزوني

جاء في المثل العربي الدارج : “ليس عيبا أن تقع ، لكن من العار والخزي أن تبقى على الأرض منبطحا ” ، ومع أننا مصنفون في علم الأجناس والأنساب ، على أننا عرب ، ولا يهم إن كنا عربا عاربة أو مستعربة ، فإننا لم نأخذ بهذا المثل لا من قريب أو بعيد ، ووقعنا وما نزال منبطحين مستسلمين على الأرض الموحلة ، نتمرغ في الوحل ، حتى تشفّى بنا الصديق قبل العدو ، والقريب قبل البعيد ، وأصبح الإستسلام للآخر من شيمنا العربية .
صحيح أننا بعد طرد الأتراك من بلادنا قبل مئة عام بالتمام والكمال – ووقوعنا بإرادتنا تحت النير الغربي “بريطانيا وفرنسا ” في البداية ، وبعد ذلك أمريكا الغولة في نهاية المطاف – تعرضنا لأبشع إذلال في التاريخ ، وهو القبول بالسرطان اليهودي بعد أن تخلص منه الغرب ، وقد قال رئيس وزراء بريطانيا الثعلب الماكر آنذاك ونستون تشيرشل بعد التصديق على وعد بلفور :” الآن تخلصنا من السرطان اليهودي ، وألقينا به في حلوق العرب “.
وللإنصاف فإن القبول العربي بهذه الكارثة كان حاصلا ، إذ أرسل الأمير فيصل بن الحسين عام 1919 رسالة إلى القاضي الأمريكي اليهودي فيليكس فرانكفورتر، قال فيها أن المثقفين العرب يتعاطفون مع الحركة الصهيونية ، وأن اليهود سيلقون كل الترحيب في “بيتهم” ، وأن المثقفين العرب ينظرون إلى الحركة اليهودية كحركة قومية وليس كحركة إستعمارية؟؟؟؟ّ!!!!!
هذا هو أول إنبطاح رسمي معلن من قبل العرب ، وها هو هذا الإنبطاح مستمر حتى يومنا هذا ، وقد أثمر عن ذل وهوان بلا حدود ، تمثل بالتسليم لمستدمرة إسرائيل التي أصبحت هي الآمر الناهي ، وهي المايسترو في المنطقة يأتمر الجميع بأمرها ، ناهيك عن قرب الإعلان عن يهوديتها وسيكون ذلك بموافقة العرب والمسلمين طبعا ، بحسب ما يحلو للبعض تسميتها “مبادرة السلام العربية ” ، التي أقرتها قمة بيروت العربية عام 2002 ، ورفضها السفاح شارون في حينه.
عند السؤال عن عدم الإصلاحات والتنمية والتقدم والبحث العلمي والتطور والإرتقاء في الوطن العربي ، كان يقال لنا أن إسرائيل هي السبب ، وأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، ولا ندري عن أي معركة كانوا يتحدثون ؟ ونحن ومنذ وعد بلفور عام 1917 ، لم نشهد سوى الإنكسارات والإنهزامات المتتالية ، وكاتب هذه السطور شاهد على الذل العربي منذ بلغ الرابعة من عمره .
وها هي الحالة تستمر وترتسم على أرض العر ب هزائم متتالية ، رغم قدرتنا على تلويث الأثير بشعارات الوطنية والقومية الكاذبة ، وهذا ما يفسر عدم تسجيلنا رسميا أي نصر على إسرائيل ، لكننا وخدمة لإسرائيل ، سجلنا الإنتصارات على حركات المقاومة الفلسطينية والعربية ، ولست مبالغا إن قلت أن قوى الدجل القومي في دمشق على وجه التحديد ، أسهمت وبعمق في هذه الحالة ، عندما سمحت لجيش شارون صيف العام 1982 بإلحاق الهزيمة بالمقاومتين الفلسطينية واللبنانية في لبنان ، والسماح لشارون بإحتلال بيروت ، لتكون أو عاصمة عربية تسقط تحت الإ حتلال الإسرائيلي .
الغريب في الأمر إلى حد الإستهجان أن النظام في سوريا ما يزال البعض يطلق عليه زورا وبهتانا ، أنه نظام الممانعة والمقاومة ، ولا أدري عن أي ممانعة ومقاومة يتحدثون وهو الذي خاض مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل لمدة عشر سنوات ووقع العديد من أطر إتفاقات السلام مع إسرائيل ، لكن إسرائيل العنصرية والإستعمارية الشايلوكية ، التي لا تقبل تراجع أي كان عن صفقاته السابقة معها ، رفضت التوقيع النهائي على معاهدة صلح مع النظام السوري ، لأنها لم تقبل السماح لحافظ الأسد أن يعود إلى بحيرة طبريا ، حيث قال لهم أنه كان يسبح فيها ويريد العودة إلى هذا التقليد ؟؟!!
ومعروف أن نظام الأسد الأب باع الجولان لإسرائيل عام 1967 بمئة مليون دولار، قيل في حينه أن الشيك كان بدون رصيد، وما يزال بيان وزارة الدفاع السورية إبان حرب حزيران 1967 ، يرن في اذني عندما أعلن في المذياع ، أن الجولان سقطت بيد الجيش الإسرائيلي ، علما أن الجيش السوري وقت إذاعة البيان كان ما يزال مرابطا فيها ، وقرأنا أن رابين إتصبل مع رئيس أركانه الأعور دايان ، وقال له : إلحق لقد أعلن السوريون سقوط الجولان ، لكن دايان الحذر رد على وزير دفاعه بالقول :أرجوك إبعدني عن هذه الموضوع ،لأنني أخشى أن يكون السوريون قد نصبوا لنا فخا !!
لكن الأمور سويت ودخل دايان الجولان بردا وسلاما ، وهذا ما يفسر رفض السورييين إدخال الجيش العراقي إلى سوريا ، للمشاركة في حرب تشرين 1973 إلا بعد تعهد سوفييتي ، بخروج الجيش العراقي فور الموافقة على وقف إطلاق النيران ، كما أنه يفسر تسليم الجيش السوري للأراضي المحررة من قبل العراقيين إلى الإسرائيليين.
هذا الملف يطول لأن القصص العربية كثيرة ومتعددة ، لكننا مضطرون للمقارنة ، فقد هزمت ألمانيا أمام الفرنسيين وكوريا أمام اليابانيين وإستسلمت اليابان لأمريكا ، لكن هذه الدول الآن وجدت لها مراتب متقدمة في مصاف الدول الكبرى ، لأن قادتها فكروا بمصالح بلدانهم ، أما نحن العرب ، فإن على علماء وخبراء الأ جناس والأنساب أن يتدخلوا لمعرفة أصول الحكام العرب ، ويشرحوا لنا لماذا نحن متخلفون فيما الكوريون والألمان و اليابانيون تقدموا.

اترك رد