القضاء العراقي يرفض إقحام اسمه في مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة

المستقلة / تحليل سياسي/- بينما يتأرجح المشهد السياسي العراقي فوق مفترق حساس، خرج مجلس القضاء الأعلى بتوضيح إعلامي لافت وجديد، حمل في لغته نبرة هادئة، لكنه مضمونه يحمل إشارات حاسمة أراد من خلالها المجلس أن يعيد التأكيد على اهمية موقع المؤسسة القضائية في معادلة التوازن بين السلطات، وعلى رفضه التام لأي محاولة لتوريطه في معركة تشكيل الحكومة الجديدة.

في ظاهر النص، يبدو التوضيح وكأنه تمسكًا بروح الدستور. لكن في عمقه، هو إعلان مبدئي في وجه تحولات سياسية تحاول، ولو ضمنًا، تطويع صورة القضاء لصالح تفاهمات سياسية تعقد غالبًا خلف الأبواب المغلقة.

ما بين تأكيد استقلال المؤسسة وتحذير القوى السياسية من مغبة تجاوز الحدود الدستورية، بدا المجلس وكأنه يذكّر الجميع بأن هناك خطوطًا لا يجب الاقتراب منها، وأن القضاء لا يمكن أن يتحوّل إلى جزء من لعبة توزيع المواقع أو ترجيح الكفّات.

الإعلام المستقل ليس خصمًا بل شريك في الرقابة

من هذا المنطلق، تجدد “وكالة الصحافة المستقلة” تأكيدها على أن تناولها المتكرر لمواقف مجلس القضاء الأعلى، سواء في التقارير السابقة أو في هذا التقرير، لا يصدر من نوايا عدائية، بل من موقع إعلامي مهني يدرك أن النقد الرصين والتحليل المعمّق يمثلان جزءًا أصيلًا من الرقابة الديمقراطية.

فالإعلام المستقل لا يسعى إلى تقويض القضاء، بل إلى حماية صورته، وتثبيت دوره كمؤسسة تقف فوق الصراعات الحزبية، بعيدًا عن منطق التوظيف السياسي. وحين نطرح تساؤلات مشروعة، فإنما نسهم في فتح نقاش مسؤول حول حدود السلطة القضائية، لا في الطعن بها.

توقيت التوضيح ليس عرضيًا

اللافت أن صدور التوضيح، جاء في لحظة مشحونة سياسيًا، وبعد أسابيع من تصاعد الحديث عن تدخلات غير مباشرة في ملف تشكيل الحكومة. تسريبات، تصريحات غير رسمية، وهمس سياسي متداول، كلها ربطت – ولو بالإيحاء – بين بعض المرشحين لرئاسة الوزراء وبين ما وُصف بـ “الدعم القضائي” أو “الضوء الأخضر” من شخصيات مؤثرة في المؤسسة.

جاء التوضيح ليفصل تمامًا بين القضاء والسياسة، ويؤكد أن المجلس لا يدعم ولا يتبنى ولا يشارك في ترشيح أي شخصية سياسية أو تنفيذية. والأهم، أن النص تضمّن صياغة قاطعة برفض زج اسم القضاء، كمؤسسة أو أفراد، في أي نقاشات تتعلق بتسمية الرئاسات.

بهذه اللغة، يرسل المجلس رسالة مزدوجة: إلى القوى السياسية بأن خط الرجعة لا يزال ممكنًا قبل توسيع الخلط بين السلطات، وإلى الرأي العام، ليقول إن المؤسسة القضائية ما زالت متمسكة بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع.

الالتزام بالتوقيتات الدستورية كتحذير مبطّن

من اللافت أيضًا أن التوضيح بدأ بتذكير الكتل السياسية بضرورة احترام التوقيتات الدستورية الخاصة بتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية. وبين السطور، بدا هذا التذكير وكأنه يحمل لهجة مغايرة لما سبق، إذ لم يكن مجرد إعادة سرد لنصوص الدستور، بل تحذير صريح من أن الاستمرار في تجاوز المدد المحددة يهدد الشرعية الدستورية ذاتها.

رسالة المجلس هنا تتجاوز المفهوم القانوني إلى ما يشبه التنبيه السياسي، بأن التلاعب بالزمن السياسي، وابتزاز العملية التفاوضية من خلال التأخير، لم يعد مقبولًا، لا من منطق القانون ولا من منطق الاستقرار المؤسسي.

الفقرة الأخيرة.. مركز الثقل السياسي

لكنّ الفقرة الأخيرة في التوضيح كانت الأكثر وضوحًا وتأثيرًا، وبدت كأنها نقطة الفصل في خطاب المجلس، حيث أعلن فيها – بنبرة غير معتادة من حيث الصرامة – رفضه الكامل لأي محاولة لاستخدام اسم القضاء في المداولات السياسية، مؤكدًا أن المجلس لا يتبنى أي مرشح، ولا يعبر عن رأي، ولا يملك دورًا في تشكيل الحكومة.

هذه الفقرة، في مضمونها وتوقيتها، جاءت كموقف دفاعي – هجومي. دفاعي من حيث الحرص على استقلال المؤسسة وسمعتها، وهجومي في قطع الطريق أمام الأطراف التي تحاول تسويق فكرة أن لديها “علاقات خاصة” أو “تفاهمات خفية” مع المؤسسة القضائية.

وإن كانت الرسالة غير موجهة بالاسم، فإنها بالتأكيد موجهة بالفعل، إذ تصطدم بشكل مباشر مع ما يتداول في كواليس السياسة، من محاولات ترويج بعض المرشحين بوصفهم “أقرب” إلى المزاج القضائي أو إلى رئاسة المجلس.

المعركة على الصورة… وشرعية المؤسسات

ليس خافيًا أن استقلال القضاء في العراق ليس مجرد مبدأ قانوني، بل قضية رأي عام وسيادة. فحين يُمس استقلال القضاء، تترنح شرعية النظام السياسي بأكمله. لذلك، فإن مجلس القضاء الأعلى، وإن بدا منغمسًا في الردود، إلا أنه في الواقع يقاتل على جبهة الصورة.

وإذا كان البيان الجديد قد حسم موقعيًا هذا الصراع، إلا أن المعركة الأكبر لا تزال في الميدان الأوسع: ثقة الناس، ومواقف الكتل، وسلوك الأحزاب.

المطلوب ما بعد التوضيح

ورغم أهمية التوضيح في تثبيت الموقف المبدئي، تبقى الحاجة قائمة لما هو أبعد من ذلك. فمواجهة الشكوك السياسية لا تتم بالنفي فقط، بل بإجراءات ملموسة، تبدأ من فتح قنوات شفافة مع الإعلام، مرورًا بنشر تفاصيل القرارات القضائية ذات البعد السياسي، وانتهاءً ببناء جدار مؤسسي يحمي القضاء من التسريبات والمزايدات.

ليس مطلوبًا من القضاء أن يكون شفافًا في كل ما يخص خصوصيته المؤسسية، لكن الشفافية في القضايا العامة – لا سيما ما يتعلق بالطعون الانتخابية وتفسير النصوص الدستورية – باتت شرطًا من شروط الحياد في نظر الرأي العام، وليس تفضيلًا.

الخلاصة… الاستقلال لا يُقال بل يُمارس

ما جاء في توضيح مجلس القضاء الأعلى، من حيث المبدأ، يعكس رغبة المؤسسة في تحصين استقلالها، ومنع تحوّلها إلى ورقة في ميدان السياسة. لكن الحقيقة أن استقلال القضاء لا يُبنى على النصوص فقط، بل على سلوك يومي مؤسسي يكرّس هذا المبدأ، ويقنع الداخل والخارج بأن القضاء لا يُستعمل ولا يُستدرج.

وفي عراقٍ تتشابك فيه السياسة بالمؤسسات، وتضعف فيه الحدود بين السلطات، فإن الدفاع عن القضاء لا يكون فقط بمواجهة خصومه، بل بإعادة تعريف دوره، وتأكيد أن القانون يبدأ حيث تنتهي السلطة، لا العكس.

زر الذهاب إلى الأعلى