
العراق بين واشنطن وطهران.. عقوبات سياسية واقتصادية تلوح في الأفق
العراق بعد 2018.. بداية النهاية؟
المستقلة/- يعود العراق مجدداً إلى قلب صراع النفوذ الإقليمي مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران من جهة أخرى، وسط قراءات سياسية ترى أن واشنطن قد تتجه إلى تفعيل أدوات ضغط “أقسى” على بغداد، تتراوح بين خطوات سياسية وعقوبات اقتصادية وقيود مالية، في محاولة لإعادة ضبط اتجاهات المشهد العراقي وتقليل تأثير طهران داخل مفاصل الدولة.
وتشير تقديرات متداولة في الأوساط السياسية من صناعة القرار إلى أن واشنطن لم تعد تتعامل مع بغداد بوصفها شريكاً مستقراً كما في سنوات سابقة، بل تنظر إليها باعتبارها ساحة تتداخل فيها مصالحها مع نفوذ إيراني متنامٍ، خصوصاً منذ عام 2018، حين بدأت ملامح التوازن تميل بصورة أوضح لصالح قوى قريبة من طهران داخل الملفات السياسية والأمنية. وبحسب هذه القراءات، فإن المشكلة الأميركية لا تتعلق بالأسماء بقدر ما تتعلق بالبنية التي تُنتج القرار داخل بغداد، وبحدود قدرة الدولة على ضبط الفصائل والسلاح خارج إطارها.
وتذهب تقارير وتحليلات سياسية واعلامية، إلى أن اتجاهات الإدارة الأميركية حيال العراق بدات تتحرك على أكثر من مسار متوازٍ. المسار الأول مرتبط بالملف الأمني وحماية المصالح والبعثات والمنشآت، وما تعتبره واشنطن إخفاقاً متكرراً في منع الهجمات أو ضبط الجهات المنفذة. والمسار الثاني اقتصادي–مالي يتصل بملف الدولار والتحويلات والامتثال المصرفي، حيث باتت الرقابة والتدقيق أدوات تأثير مباشرة، يمكن أن تتحول إلى ضغوط على السوق والاستيراد وثقة المستثمرين. أما المسار الثالث فيرتبط بإعادة تشكيل التوازنات السياسية عبر دفع الحكومة والقوى المؤثرة إلى تعديل السلوك أو إعادة ترتيب التحالفات بما يقلل من انحياز العراق لمحور واحد.
ويرى متابعون أن خطورة سيناريو “العقوبات السياسية والاقتصادية” لا تكمن في أثره الخارجي فقط، بل في ارتداداته الداخلية. فالعراق اقتصاد ريعي شديد الارتباط بالنفط والدولار ومسارات التحويل، وأي تشدد في القيود أو توسيع في أدوات الرقابة قد ينعكس على سعر الصرف وكلفة الاستيراد وأسعار السلع، ما يحوّل الأزمة سريعاً من مستوى النخب إلى ضغط يمس الشارع مباشرة. وفي الوقت نفسه، فإن إدراج شخصيات أو جهات عراقية على لوائح عقوبات، إن حدث، قد يعيد خلط التوازنات داخل التحالفات السياسية ويضع الحكومة أمام إحراج مزدوج داخلياً وخارجياً.
في المقابل، تؤكد قراءات سياسية أن بغداد ما تزال تحاول تثبيت معادلة توازن صعبة: الحفاظ على علاقة عمل مع واشنطن بحكم الملفات المالية والأمنية، وعدم قطع خطوطها مع طهران بحكم الجغرافيا والتداخل الاقتصادي والسياسي. غير أن تراجع هامش المناورة يظهر كلما ارتفع التوتر الإقليمي، لأن العراق يصبح في هذه الحالة معرضاً لضغوط متعاكسة، وقد يُدفع إلى خيارات لا يريدها مثل التشدد الداخلي أو تقديم تنازلات في ملفات حساسة تتعلق بالسلاح والاقتصاد والسيادة.
وبحسب تقديرات متابعين، تتراوح المسارات المحتملة في المرحلة المقبلة بين استمرار الضغط دون تغيير جذري عبر تشديد رقابي وخطوات محدودة، أو انتقال الضغوط إلى مرحلة “عقوبات” أوسع إذا تفاقمت الملفات الأمنية والمالية، أو حصول إعادة ترتيب سياسية داخلية تُنتج صيغة أكثر قابلية لتهدئة الاشتباك الخارجي. وفي جميع الأحوال، يبدو أن العراق يقف أمام اختبار جديد: هل يستطيع الحفاظ على قراره الاقتصادي والسياسي وتحصين الاستقرار الداخلي، أم أن الصراع بين واشنطن وطهران سيدفعه إلى مرحلة أشد تعقيداً تتقدم فيها العقوبات والقيود كأداة لتعديل موازين النفوذ في بغداد؟





