الاستعلاء بالموروث الحضاري.. وتأثيره على الشخصية العراقية

مضر الحلو

ثمة كذبات ثلاث ساهمت بقوة في خداع
الشخصية العراقية، وأصابتها بالاغتراب، ما أدى إلى استلابها، وانفصالها عن الواقع، كما كان لها دور أساسيٌّ في الانهيارات القيمية المتلاحقة، التي تعرَّض لها المجتمع العراقي على أكثر من صعيد، ومن ثمَّ كان لها أثرٌ بارز في تدمير البلد، ووقفت حائلا دون نهوضه من كبواته، ليتوالى مسلسل التدهور:

الكذبة الأولى: وصف العراق بالغنى. نعم العراق بلد غني لكن بالقوة لا بالفعل، بمعنى انه يمتلك موارداً متعددة، وأرضه تكتنز ثروات هائلة، لكنها ثروات مهدورة. وموارد مبددة. لا يوصف بالغنى من يجهل إدارة موارده. البلد الذي تكون رواتب موظفيه، ومتقاعديه، ولقمة عيش مواطنيه، رهينة أسعار النفط، التي يقررها اللاعبون الكبار، والبلد الذي تكون مياهه رهن مزاج دول المنبع وما تقتضيه مصالحهم، لا يقال عنه غني. لا يُعدُّ غنيّاً من لم يحسن إدارة ثروته المائية، والنفطية، والغازية، والزراعية، أضف إلى إهدار قيمة موقعه الاستراتيجي.

الكذبة الثانية: دعوى أن العراقيين أحفاد سومر، وأكد، وبابل، وورثة كلكامش، ونبوخدنصر، وحمورابي، وأنَّ آباءنا هم بناة أول حضارة على وجه الأرض، وعليه نحن الذين علمنا الناس الحرف والكتابة، ونحن الذين اخترعنا العجلة ..الخ. ولا يخفى ما لهذا الاعتقاد من أثر بانتفاخ الذات والشعور بالإستعلاء، والانكفاء على الذات، والاستغناء عن الجميع. يساهم بعض الإعلاميين، والكتاب، والمثقفين العراقيين، من حيث يقصدون، أم لا في تغذية هذا الشعور عبر ترويج هذه الخدعة حين يجعلوها وسيلة لمخاطبة جمهورهم. لكن الحقيقة بإتجاه آخر قاضٍ بعدم وجود صلة بين السومريين او البابليين الأوائل، وبين الشعب العراقي الحالي الذي استوطنت الغالبية العظمى من قبائله العراق إبّان الفتح الإسلامي قادمة من اليمن وشبه الجزيرة.

الكذبة الثالثة: الفرادة والتميز في علاقة الله سبحانه بنا. فنحن اولياؤه فقط، ونحن احباؤه فقط، ولنا قد خلق جنته، والنعيم فقط وفقط، وأن لنا موقعاً، ومكانةً عنده مع الأنبياء والصديقين، لا يدانينا فيها أحد، ولا يشترك معنا مشترك من خلق الله.

وناهيك ما لهذا الاعتقاد من أثر في دغدغة العواطف، فيصيبها بسكرة التعالي، والاستغناء الذي سيكون الكسل، وترك المثابرة، والاجتهاد بالعمل أبسط مخرجاته، ثم يأتي من يستغل هذ الوهم كبعض القصاصين الذين يعتاشون على ما يحكونه من حكايات وقصص من نسج خيالهم يداعبون به عواطف جمهورهم ليكرِّسوا هذا المعنى ويعمّقوه.

التعليقات مغلقة.