إصلاح النظام والمؤسسة القضائية في العراق ضرورة وطنية ملِحّة

مصطفى محمد غريب  …

الإصلاح بشكل عام ضرورة ملحّة في الكثير من الحالات الشخصية أو العامة، والأنظمة السياسية التقليدية والدكتاتورية التي بقت تراوح في مكانها ولا تهتم بما يجري حولها من تطورات أو تغيرات في بنية مجتمعاتها بقيت متخلفة عن عجلة التطور والتقدم وكانت تتخوّف من عملية الإصلاح وتعتبره نهاية لسطوتها وهيمنتها على مقاليد السلطة، والإصلاح هو عملية ملازمة للتطور والتقدم ويحقّق التكافؤ في الفرص ومثلما هو مهمٌّ في السياسة فهو مهم في الإصلاح الاجتماعي والقضائي والمعيشي، وتحتاج عملية الإصلاح إلى حكومات وطنية تشعر بالمسؤولية تجاه شعوبها وبلدانها، والعراق في الوقت الراهن يحتاج إلى إصلاح جذري في كل مرافقه على المستوى العام وكذلك الخاص وفي مقدمته إصلاح المستوى الاجتماعي والثقافي والإداري والمعيشي والاقتصادي إضافة إلى السياسي ولعلّ التوجه للتخلّص من آفات الفساد المالي والإداري سيكون طريقاً سديداً لإصلاح الكثير من القضايا بما فيها إصلاح النظام القضائي ليتماشى مع مجمل التطورات التي شملت العالم في القضايا الحقوقية ومنها حقوق الإنسان وتحقيق نوعٍ من العدالة الاجتماعية، الإصلاح بمفهومه الأعمق ليس فقط في الإدارة أو النظام الإداري أو الخطاب السياسي بل يجب أن يشمل التغيير الفعلي في الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية كي تواكب العمليات الإصلاحية في مناحٍ أخرى.

لسنا بصدد العودة إلى تعداد التجاوزات والتدخلات في شؤون السلطة القضائية أو القضاء العراقي أثناء تولّي نوري المالكي رئاسة مجلس الوزراء، فهي معروفة لدى جميع الذين تهمّهم قضية استقلالية القضاء والسلطة القضائية وأصبح معلوماً أن نوري المالكي والبعض ممن يساندوه هم ليسوا فقط على معرفة بهذه التدخلات بل ساهموا فيها وقد نجح نوري المالكي في التدخل مما أسهم في إضعاف العديد من قرارات القضاء والمحكمة الاتحادية، ويعد هذا التدخل عبارة عن نهج مورس خلال تعاقب الحكومات العراقية منذ العهد الملكي ثم الجمهوري وبخاصة عهد حكم البعث الصدّامي الذي ارتكب فيه القضاء اكبر الجرائم والخروقات حتى بالنسبة للقوانين العراقية التي تناولت قضايا العدالة وتطبيق القانون، فقد كان المتّهم، على الرغم من براءته، يحكم حسب رغبة السلطة أو صدام حسين وأحياناً تصل العقوبة إلى الإعدام تحت طائلة تهم مدبّرة وكيدية، ولقد استبشر أكثرية العراقيين بعد سقوط النظام الدكتاتوري بحقبة جديدة تتحقق فيها استقلالية السلطة القضائية والمحاكم القضائية وفي مقدمتها المحكمة الاتحادية وان يكون المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته، لكن الحال لم يكن كما هي التمنيات على الرغم من وجود نصوص قانونية تؤكد استقلالية القضاء وحقوق وواجبات المواطن ولهذا سجل التاريخ والوقائع تدخلات وتجاوزات سافرة في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تمثلت بمحاولات للهيمنة على الكثير من مفاصل الدولة بما فيها القضاء العراقي، واستطاع هذا التدخل أن يؤثر على الكثير من القضايا الحقوقية التي تتطلب العدالة القانونية وتحقيق العدالة بدون تدخل السلطة التنفيذية، إلا أنه من المؤسف لم يرتق الحال نحو تحقيق مطالب المواطن بالحقوق المتساوية أمام القانون إنما كان البديل هو التدخّل السافر ومحاولة تسييس القضاء وإحكام تبعيته وظهر هذا التأثير والتبعية أثناء تولّي نوري المالكي رئاسة الوزراء، ولو راجعنا قرارات وأحكام المحاكم والسلطة القضائية لظهر لنا كيف كان يسعى نوري المالكي الاستفراد بالسلطة من خلال استخدام القضاء والمؤسسة القضائية بإصدار أحكام أو قرارات قضائية بالضدّ من معارضيه أو من يختلفون معه مهما كان انتمائهم القومي أو الديني، وكان وراء هذه القرارات اتهامات وجّهت من قبل رئيس الحكومة والبعض من أتباعه وفي مقدمتها اتّهامات بالإرهاب والعمل مع الإرهابيين، وضحايا هذه الاتهامات لم تكن لديهم أية وسيلة للدفاع عن أنفسهم قانونياً مما اضطر البعض منهم إلى الهرب خارج البلاد أو اللجوء إلى الإقليم خوفاً من الاعتقال الكيفي بأوامر وقرارات قضائية خلفها بعض العاملين في قيادة السلطة التنفيذية، خوفاً من تصفياتهم أو تعرّضهم إلى التعذيب مثلما حدث للعديد ممن اعتقلوا بشكل كيفي، وقد فضحت البعض من منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان هذه الإجراءات التعسّفية المخالفة للقوانين التي تقف ضد الاعتقال وكيل التّهم على أسس سياسية تحوّل إلى جرائم جزائية، وهناك أسماء عديدة أبعدت بشكل تعسّفي أو حوكمت قضائياً بشتّى الأحكام بما فيها أحكام الإعدام وصدرت الأحكام بعجالة غريبة بحقّ النائب احمد العلواني الذي اتهم بمقاومة معتقليه، وهناك ضبابية حول الإجراءات أو الأدوات التي استعملت ضدّه منه أثناء اعتقاله، وبهذا الصدد نحن لا ندافع عنه أو غيره من خلال رؤيا سياسية أو تقارب في الأفكار لكن من باب أحقية أن المتّهم بريء حتى تثبت إدانته قانونياً وان للمتهم حق الدفاع عن نفسه وتوكيل محامين له أمام القضاء والابتعاد عن أساليب غير قانونية كالكيدية والتعذيب النفسي والجسدي وعند تحقيق ذلك فعند ذلك سيكون القضاء وأحكامه عادلة جهد الامكان ولا يمكن الطعن فيها.

لقد ارتفعت أصوات كثيرة في العراق وخارجه تطالب وبخاصة بعد تولي رئاسة مجلس الوزراء من قبل حيدر العبادي بضرورة إصلاح السلطة القضائية وإبعاد الادعاء العام والبعض من الحكام وهي عملية صحية ستساهم في الاستقرار وتخطّى الحالة المرضية التي صاحبت السلطة القضائية في الفترات السابقة، وعملية الإصلاح ستكون عملية تربوية وحالة نقدية لأوجه الفساد المستشري في الكثير من مؤسسات الدولة، وأشار في هذا الصدد النائب أمين بكر عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب وقد نقلته الغد بريس بغداد في 4/12/2014 أن “ما يتعلق بالإصلاحات التي ستنفذها الهيئة القضائية في الوقت القريب يشمل القضاة المتورطين بعمليات فساد مالي” وأكد أن “هذه الإصلاحات تحتاج إلى خطوات منها والأهم تشريع قانون المحكمة الاتحادية” إن المطالبة بتشريع قانون المحكمة الاتحادية ليس وليد اليوم بل انه مطلب طالما تحدث فيه المهتمين بالقضاء والعاملين فيه وجمهرة واسعة من المثقفين والسياسيين العراقيين، لا بد من الإشارة حول الصعوبات الجمّة التي تواجه نجاح الجهود للإصلاح الشامل وتصليح ما خرّبته الحقب الوزارية السابقة فهناك رتلٌ وقد اسمّيه “بالرتل الخامس” يعمل بجهد ومثابرة لإفشال أي إصلاح قد يستهدف الفاسدين الذين افسدوا الأمانة العامة وأهدروا المال العام واستغلوا مناصبهم الحكومية للتجاوز والهيمنة والفائدة الشخصية.. وإلا كيف يقال عما أعلن عنه إمام وخطيب جمعة النجف السيد صدر الدين القبانجي حول أهم قضية فساد في المؤسسة العسكرية حيث صرح يوم الجمعة 5/12/2014 ونشرته أوان إن “الخطوات الحكومية الإصلاحية في الجانب الأمني وفتح ملف 50 ألف جندي كانوا يستلمون رواتب تذهب إلى جيوب قادة يمتصون دم الشعب العراقي مرحب بها” ثم عقب على الموضوع بالقول أن “الأرقام قد تصل إلى 250 ألف جندي وهمي”. وماذا يقول المواطن العراقي عندما يقرأ أو يسمع كيف كشفت ماجدة التميمي عضو اللجنة النيابية ونشرته صحيفة الدستور، بخصوص “المتقاعدين الفضائيين” وعن تزوير البطاقة الذكية في قضية استلام الرواتب التقاعدية حيث أكدت “بوجود متقاعدين فضائيين يتقاضون أكثر من 23 راتبا في الشهر الواحد ببطاقات ذكية متعددة”

– دلونا أي مكان لا يوجد فيه فساد وفاسدين وفضائيين؟

– فسروا لنا كيف كان نوري المالكي رئيساً للوزراء خلال 8 سنوات أمام هذا الكم الهائل من الفساد والخطف والاغتيال والتفجيرات؟

إلا يكفي هذه الفضائح أثناء تولّي نوري المالكي رئاسة الوزراء إلى إجراء تحقيق حتى لو كان بدائياً لمعرفة أين ذهبت الأموال العامة ومن هم خلف الاختلاسات والسرقات والعقود الوهمية.. نعتقد أن الأوان قد حان للإصلاح والكشف عن ما هو مستور لحد هذه اللحظة لكي يعي المواطن البريء أي حكام ومسؤولين كانوا يقودون السلطة، ولمن يعطي صوته الانتخابي في المستقبل!، وأي فساد خلفوه خلفهم واستفادوا منه، لكي يكون القضاء العادل الفيصل في أعادة الحقوق إلى نصابها ووفق القانون.

اترك رد

المزيد من الاخبار