
«وقتهم انتهى» … هل هي رسالة ضغط أم مقدّمة لتغيير فعلي في العراق؟
مهند ال كزار
ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية
أثار تصريح المبعوث الأمريكي مارك سافايا الذي قال فيه إن «من عاث فساداً في العراق وقتهم انتهى»، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي داخل العراق، فالجملة على بساطتها تحمل دلالات تتجاوز التهنئة أو الخطاب الدبلوماسي التقليدي، وتفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة الدور الأمريكي المقبل وحدود التدخل في المشهد العراقي.
أولاً: دلالة الخطاب وتوقيته
لغة التصريح لافتة، فهي لغة مباشرة حادة وغير معتادة في الخطاب الدبلوماسي تجاه دولة يفترض أنها حليفة، واستخدام مصطلح «من عاث فساداً» لا يشير إلى أفراد معزولين، بل إلى منظومة سياسية–اقتصادية–أمنية تشكلت بعد 2003، تداخلت فيها العديد من القضايا أبرزها الفساد والسلاح والنفوذ الداخلي مع التدخل الخارجي.
أما التوقيت فيأتي في ظل اضطراب إقليمي واسع، وتصاعد الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، وكذلك محاولات أمريكية لإعادة ضبط المشهد دون الانجرار إلى تدخل مباشر مكلف.
ثانياً: ما الذي تريده واشنطن فعلياً؟
من الخطأ قراءة التصريح على أنه إعلان نية لإسقاط هذه المنظومة من أجل إنقاذ العراق حسب ما يعتقد البعض، فالواقع يشير إلى أن واشنطن غالباً ما تستخدم ملف الفساد كأداة ضغط سياسي لا كمشروع إصلاحي أخلاقي، لذلك قد يكون الهدف المرجح هو تحجيم القوى الخارجة عن السيطرة، وضبط الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، وإعادة ترتيب التحالفات بما يخدم الاستقرار النسبي لا التغيير الجذري.
بمعنى آخر: أمريكا لا تسعى لدولة عراقية قوية، بقدر ما تسعى إلى دولة يمكن التنبؤ بسلوكها.
ثالثاً: لماذا الآن وليس قبل سنوات؟
السؤال المنطقي: لماذا لم يُقال هذا الكلام حين كان الفساد أكثر فجاجة؟ الجواب يكمن في أن الفساد يصبح مشكلة فقط عندما يهدد المصالح الاستراتيجية، ويخرج عن السيطرة، ويتحول إلى عبء على الاستقرار الإقليمي، عندها فقط يُعاد تعريفه كخطر يجب احتواؤه.
رابعاً: حدود التصريح… وما لم يُقل
رغم قوة العبارة إلا أنها تفتقر إلى عناصر الحسم، فهي لم تذكر أسماء، ولا آليات، ولا إجراءات معلنة، وهذا يضع التصريح في إطار الرسائل السياسية التحذيرية لا القرارات التنفيذية.
التجربة العراقية علمتنا أن الخطاب وحده لا يُسقط منظومات، والفساد لا ينتهي بجملة مهما كانت قوية، رغم أن هذا التصريح هو جرس إنذار للطبقة السياسية، ورسالة ضغط أكثر منه وعد إصلاح، وكذلك هو مؤشر على مرحلة إعادة تموضع أمريكي، لا مشروع تغيير شامل، وإن لم تُترجم هذه اللغة إلى أفعال واضحة، فستبقى ضمن أرشيف التصريحات الكبيرة التي لم تغيّر شيئاً على الأرض.





