من سيحكم الأمم المتحدة بعد غوتيريش؟

رامي الشمري

المعركة على خليفة أنطونيو غوتيريش ليست معركة على منصب أممي فحسب، بل على اتجاه المؤسسة الدولية في أكثر لحظات النظام العالمي اضطرابا.

حتى 21 سبتمبر 2026، تصدرت ريبيكا غرينسبان من كوستاريكا الجولة الثالثة بـ9 أصوات تشجيع، تلتها كارولين رودريغز-بيركيت من غيانا بـ8. ثم غروسي وأوتونّو وسال بـ5 أصوات لكل منهم. أما باشيليت فقد انسحبت، وبقي سبعة مرشحين.

لكن الرقم الأخطر ليس 9 ولا 8.

الأخطر هو الفيتو.

فالقرار الحقيقي يمر عبر الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا. وحتى الآن لا يعرف أحد علنا أي من أصوات الرفض جاء من هذه القوى.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

غرينسبان تمثل مدرسة التعددية والتنمية والاقتصاد الدولي، وليست صاحبة خطاب صدامي مع واشنطن أو موسكو.

رودريغز-بيركيت أقرب إلى صوت الجنوب العالمي والكاريبي، مع خبرة طويلة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

غروسي يأتي من قلب الملفات الأكثر حساسية: النووي، إيران، أوكرانيا وعدم الانتشار.

أوتونّو يحمل إرث الدبلوماسية الإفريقية والسلام وملفات النزاعات.

ماكي سال يأتي بثقل رئيس دولة سابق والاتحاد الأفريقي.

أما إسبينوسا فتمثل مدرسة الجمعية العامة وحقوق الإنسان والمناخ ونزع السلاح.

لكن تقسيمهم إلى «مرشح أمريكا» و«مرشح روسيا» و«مرشح إسرائيل» سيكون تبسيطا غير دقيق؛ لا توجد حتى الآن خريطة علنية موثوقة تثبت هذا الاصطفاف.

المؤكد أن واشنطن وموسكو وبكين تبحث كل منها عن أمين عام لا يتحول إلى أداة في يد خصمها.

روسيا تريد أمينا عاما أكثر حيادا واستقلالا في ملفات الحرب والنظام الدولي، وأقل استعدادا لتحويل الأمم المتحدة إلى منصة للضغط الغربي.

الصين تريد الحفاظ على التعددية ومفهوم السيادة، وتراقب ما إذا كانت الأمم المتحدة ستبقى مساحة تفاوض بين القوى أم تتحول إلى امتداد للصراع الأمريكي ـ الصيني.

الولايات المتحدة تضغط في اتجاه إصلاح المنظمة وتقليص البيروقراطية وإعادة تشكيل أولوياتها.

أما إسرائيل فلا تملك صوتا في مجلس الأمن، ولا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية لوضع أحد المرشحين في خانة «مرشح إسرائيل».

وهنا يصبح الشرق الأوسط جزءا من معركة اختيار الأمين العام.

غزة، إيران، لبنان، سوريا، وأمن البحر الأحمر ستكون ملفات اختبار فوري. شخصية الأمين العام ستؤثر في لغة الأمم المتحدة، وفي قدرتها على الوساطة، وفي علاقتها بواشنطن وموسكو وبكين وطهران والدول العربية.

وفي أوكرانيا ستكون المشكلة أصعب: روسيا عضو دائم وتملك الفيتو، ولذلك لن يستطيع أي أمين عام فرض تسوية، لكنه يستطيع أن يعيد للأمم المتحدة دور الوسيط أو يتركها أسيرة شلل مجلس الأمن.

أما الصين فتنظر إلى المسألة من زاوية أوسع: هل يبقى العالم متعدد الأقطاب داخل مؤسسة دولية واحدة، أم تتحول الأمم المتحدة نفسها إلى ساحة جديدة للصراع على قيادة النظام العالمي؟

 

لذلك فإن معركة خليفة غوتيريش ليست: من سيكون الأمين العام؟

بل:  أي أمين عام سيأتي؟

أمين عام يوازن بين القوى الكبرى، أم أمين عام ينحاز إلى أحد مراكز القوة؟

أمين عام يعيد للأمم المتحدة دور الوسيط، أم يكتفي بإدارة عجزها؟

أمين عام يمثل الجنوب العالمي في مواجهة احتكار القرار، أم يعيد إنتاج ميزان القوى القديم؟

الرقم 9 جعل غرينسبان تتصدر.

والرقم 8 أبقى رودريغز-بيركيت داخل المعركة.

لكن الفيتو هو الذي سيكتب الاسم الأخير.

وفي عالم تتقاطع فيه حرب روسيا، وحروب الشرق الأوسط، وصعود الصين، وتراجع الثقة بالنظام الدولي، قد لا يكون اختيار الأمين العام القادم مجرد تغيير في رأس الأمم المتحدة.

قد يكون اختيارا لـ الشكل الذي سيأخذه النظام الدولي نفسه في السنوات المقبلة.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى