من الأكاذيب إلى الكراهية: الشعب الفلسطيني في مرمى التشويه (2)

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

الفلسطيني في الوعي العربي

حين نتحدث عن صورة الفلسطيني في الوعي العربي، فإننا لا نتحدث عن مجرد صورة إعلامية عابرة، بل عن ذاكرة جمعية تشكّلت عبر عقود من النضال، التضحيات، والهزائم أيضًا. الفلسطيني كان، وما زال، رمزًا مركزيًا في المخيال العربي: رمز الأرض المسلوبة، رمز المقاومة، رمز الكرامة التي لم تنكسر رغم كل محاولات الإبادة والتهجير. لكن هذه الصورة، التي كانت يومًا ما مصدر إلهام ووحدة، تتعرض اليوم لعملية إعادة تشكيل خطيرة، حيث يُسحب منها بريقها ويُلبس الفلسطيني ثوبًا مشوّهًا مليئًا بالاتهامات.

في الستينيات والسبعينيات، كان الفلسطيني في الوعي العربي هو المقاتل الذي يواجه الاحتلال، هو الصوت الذي يذكّر الأمة بجرحها المفتوح، هو المثقف الذي يكتب عن الحرية، والمعلم الذي ينشر المعرفة في المنافي. كان الفلسطيني حاضرًا في الأغنية، في الشعر، في الخطاب السياسي، كرمزٍ جامع يوحّد العرب حول قضية واحدة. لكن مع مرور الزمن، ومع تراكم الهزائم والانقسامات، بدأ هذا الرمز يتعرض للتآكل. لم يعد الفلسطيني يُقدَّم كرمزٍ للنضال، بل صار يُختزل أحيانًا في صورة اللاجئ الفقير، أو المهاجر الباحث عن لقمة العيش، أو حتى المتهم الذي يُحمَّل مسؤولية أزمات لا علاقة له بها.

هذا التحول في الصورة ليس بريئًا، بل هو جزء من مشروع سياسي وإعلامي هدفه الأساسي تفكيك التضامن العربي. حين يُقدَّم الفلسطيني كعبء، فإن الرسالة الضمنية هي أن القضية لم تعد قضية الجميع، وأن كل شعب يجب أن ينغلق على ذاته. وهكذا، يتحول الفلسطيني من رمزٍ جامع إلى أداةٍ لتقسيم المجتمعات، ومن حاملٍ للذاكرة إلى متهمٍ يُحاكم على أخطاء لم يرتكبها.

من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذا التحول كجزء من عملية إعادة إنتاج الهوية الجمعية. في علم الاجتماع السياسي، يُعتبر الفلسطيني “رمزًا كثيفًا” (Dense Symbol)، أي رمزًا يحمل معاني متعددة تتجاوز الفرد لتشمل الأمة بأكملها. حين يُعاد تشكيل هذا الرمز في الإعلام، فإن ذلك يعني إعادة تشكيل الوعي العربي نفسه. الفلسطيني لم يعد فقط ضحية الاحتلال، بل صار ضحية خطابٍ عربي داخلي يسعى إلى تحميله وزر الفشل، وكأن الأمة وجدت في شيطنته وسيلة للهروب من مواجهة عجزها.

إن أخطر ما في هذا التحول أنه يزرع بذور الانقسام في الوعي الجمعي. فبدلًا من أن يكون الفلسطيني جسرًا يربط الشعوب، صار يُقدَّم كحاجزٍ يفصلها. وبدلًا من أن يكون رمزًا للكرامة، صار يُختزل في صورة مشوهة تُستخدم لتبرير التهميش والإقصاء. وهكذا، يصبح الفلسطيني ضحية مرتين: مرةً لاحتلالٍ سلب أرضه، ومرةً لخطابٍ عربي سلب صورته.

الرد الأخلاقي والثقافي

في مواجهة هذه الحملة المسعورة، لا يكفي أن نكتفي بالرفض أو الغضب، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الرد الأخلاقي والثقافي، لأن المعركة ليست فقط على صورة الفلسطيني، بل على معنى الإنسان نفسه في الوعي العربي. إن أخطر ما في هذه الحملة أنها تحاول أن تسلب الفلسطيني ليس أرضه فحسب، بل قيمته الرمزية، مكانته الأخلاقية، وإسهاماته الثقافية التي شكّلت جزءًا من تاريخ المنطقة.

الرد الأخلاقي يبدأ من تفكيك الأكاذيب وإعادة الاعتبار للحقيقة. الفلسطيني ليس مجرد صورة مشوهة تُبث عبر وسائل التواصل، بل هو إنسان مثقف، متعلم، طبيب، مهندس، شاعر، معلم، ومقاتل من أجل الكرامة. إن استدعاء هذه الحقائق ليس ترفًا، بل ضرورة، لأن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون إلا بخطاب الحقيقة. حين نذكّر بتاريخ الفلسطيني في الجامعات، في الصحافة، في الأدب، في المقاومة، فإننا نعيد بناء الصورة التي يحاول الآخرون هدمها.

أما الرد الثقافي، فهو أكثر عمقًا، لأنه يتجاوز الدفاع إلى الهجوم المضاد عبر إنتاج خطاب جديد. الثقافة هنا ليست مجرد كتب أو أشعار، بل هي سلاح يُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. حين نكتب، حين نغني، حين نصنع فيلمًا أو رواية، فإننا نعيد الفلسطيني إلى مكانه الطبيعي: رمزًا للكرامة، للحرية، وللإنسانية. الثقافة قادرة على فضح الكراهية، لأنها تكشف هشاشتها، وتضعها أمام مرآة التاريخ.

يمكن قراءة هذا الرد كجزء من ما يُعرف بـ “المقاومة الرمزية” (Symbolic Resistance)، وهي آلية تُستخدم لمواجهة الهيمنة عبر إنتاج خطاب مضاد. الفلسطيني اليوم بحاجة إلى هذه المقاومة الرمزية بقدر حاجته إلى المقاومة السياسية، لأن المعركة على الصورة لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض. حين يُعاد إنتاج صورة الفلسطيني في الأدب والفن والإعلام كرمزٍ للكرامة، فإن ذلك يزرع في الوعي الجمعي بذور التضامن بدلًا من بذور الكراهية.

إن الرد الأخلاقي والثقافي ليس مجرد دفاع عن الفلسطيني، بل هو دفاع عن القيم العربية نفسها. حين نقف ضد الكراهية، فإننا لا ندافع عن شعب واحد فقط، بل عن فكرة العدالة، عن معنى التضامن، عن حق الإنسان في أن يُرى كما هو، لا كما يُشوَّه. وهكذا، يصبح الدفاع عن الفلسطيني اليوم واجبًا أخلاقيًا وثقافيًا، لأنه دفاع عن الإنسان العربي نفسه، وعن الذاكرة التي لا يجب أن تُمحى مهما حاولت الحملات المسعورة أن تطمسها.

الفلسطيني كرمز إنساني

حين نحاول تفكيك صورة الفلسطيني في الوعي الجمعي، لا يمكن أن نتجاهل البعد الإنساني الذي يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا. الفلسطيني ليس مجرد جنسية أو هوية وطنية، بل هو رمز إنساني عالمي، تجسيد لمعنى الصبر، ومعنى المقاومة، ومعنى القدرة على تحويل الألم إلى ذاكرة جماعية تحمل قيمًا تتجاوز حدود المكان والزمان.

الفلسطيني هو الإنسان الذي عاش تجربة الاقتلاع والتهجير، لكنه لم يتحول إلى مجرد ضحية صامتة، بل إلى شاهد حي على الظلم، وإلى صوت يطالب بالعدالة. في المخيال الثقافي، الفلسطيني يشبه أيقونة إنسانية كبرى: مثلما صار نيلسون مانديلا رمزًا عالميًا للحرية، صار الفلسطيني رمزًا للصمود في وجه الاحتلال، رمزًا للكرامة التي لا تنكسر مهما طال الزمن.

هذا البعد الإنساني هو ما تحاول الحملة المسعورة طمسه. حين يُقدَّم الفلسطيني كعبء أو كخطر، فإن الهدف هو تجريده من رمزيته الإنسانية، وتحويله إلى مجرد “آخر” يمكن التنمر عليه أو إقصاؤه. لكن الحقيقة أن الفلسطيني يحمل في ذاته تجربة إنسانية كثيفة: هو اللاجئ الذي بنى مدارس في المنافي، هو الطبيب الذي عالج في المخيمات، هو الكاتب الذي صاغ أدب المنفى، هو المقاتل الذي صمد في وجه آلة الحرب. كل هذه التجارب تجعل منه رمزًا يتجاوز حدود القضية الفلسطينية ليصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية العالمية.

يمكن قراءة الفلسطيني كـ “رمز إنساني كثيف” (Dense Human Symbol)، أي رمز يحمل معاني متعددة تتجاوز الفرد والجماعة لتشمل الإنسانية كلها. هذا الرمز يُستخدم في الأدب، في الفن، في الإعلام، كأداة لتذكير العالم بمعنى العدالة والحرية. حين يُعاد إنتاج صورة الفلسطيني في الثقافة كرمز إنساني، فإن ذلك يعيد بناء التضامن، ويزرع في الوعي الجمعي بذور الأمل بدلًا من بذور الكراهية.

إن الرد على الحملة لا يكون فقط بالدفاع عن الفلسطيني كهوية وطنية، بل بتأكيد مكانته كرمز إنساني. حين نقول إن الفلسطيني هو رمز للكرامة، فإننا لا ندافع عن شعب واحد فقط، بل عن فكرة الإنسان الحر، عن حق كل إنسان في أن يعيش بكرامة، عن معنى العدالة في عالمٍ يزداد ظلمًا. وهكذا، يصبح الدفاع عن الفلسطيني اليوم دفاعًا عن القيم الإنسانية نفسها، عن الحق في الحرية، عن الذاكرة التي لا يجب أن تُمحى، وعن الإنسان الذي يرفض أن يُختزل في صورة مشوهة مهما حاولت الحملات الإعلامية أن تطمس ملامحه.

مسؤولية الإعلام والمجتمعات

حين نتأمل في حجم الحملة التي تستهدف الفلسطيني، ندرك أن جزءًا كبيرًا من قوتها لا ينبع من الأكاذيب نفسها، بل من صمت الإعلام والمجتمعات أو من تواطئهما الضمني في إعادة إنتاج هذه الأكاذيب. الإعلام، الذي يُفترض أن يكون سلطة رابعة، تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة لتضخيم الصور النمطية، بدلًا من تفكيكها. والمجتمعات، التي يُفترض أن تكون حاضنة للتضامن، انجرفت أحيانًا وراء موجات الكراهية، إما بدافع الجهل أو بدافع العجز عن مواجهة الخطاب السائد.

الإعلام هنا يتحمل مسؤولية مضاعفة. فهو ليس مجرد ناقل للأخبار، بل صانع للوعي الجمعي. حين يختار الإعلام أن يلتقط حادثة فردية ويحوّلها إلى عنوان رئيسي، فإنه يشارك في عملية التعميم والشيطنة. وحين يتجاهل الإعلام تاريخ الفلسطيني في التعليم والثقافة والنضال، فإنه يساهم في محو الصورة الإيجابية التي تشكّلت عبر عقود. الإعلام الذي يرضخ لضغوط سياسية أو اقتصادية ويعيد إنتاج خطاب الكراهية، إنما يشارك في جريمة أخلاقية ضد الحقيقة وضد الإنسان.

أما المجتمعات، فهي ليست بريئة من هذه المسؤولية. حين يختار الأفراد أن يكرروا الأكاذيب على وسائل التواصل، أو أن يشاركوا منشورات مشوهة دون التحقق من صحتها، فإنهم يصبحون جزءًا من ماكينة التشويه. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة في الجريمة. لأن مواجهة الكراهية لا تكون بالصمت، بل بالوعي، بالرفض، وبالتصدي العلني. المجتمعات التي تسمح بتحويل الفلسطيني إلى كبش فداء، إنما تسمح أيضًا بتفكيك قيمها الداخلية، لأنها تفتح الباب أمام خطابٍ يمكن أن يُستخدم غدًا ضد أي جماعة أخرى.

يمكن النظر لهذه المسؤولية ضمن إطار “الشرعنة الاجتماعية” (Social Legitimization)، أي أن الخطاب الإعلامي لا يكتسب قوته فقط من المؤسسات، بل من تكراره داخل المجتمع. حين يشارك الأفراد في إعادة إنتاج خطاب الكراهية، فإنهم يمنحونه شرعية اجتماعية، ويحوّلونه من مجرد رأي إلى “حقيقة” متداولة. وهنا تكمن الخطورة: الإعلام يضخ الرسائل، والمجتمع يعيد إنتاجها، والنتيجة هي صورة مشوهة تترسخ في الوعي الجمعي.

إن الرد على هذه الحملة لا يمكن أن يكون فرديًا، بل يجب أن يكون جماعيًا. الإعلاميون الشرفاء عليهم أن يفضحوا الأكاذيب، أن يعيدوا الاعتبار للحقيقة، أن يذكّروا بتاريخ الفلسطيني كرمز للنضال والثقافة. والمجتمعات عليها أن تتحمل مسؤوليتها في رفض الكراهية، في مواجهة التنمر، في الدفاع عن القيم الإنسانية. لأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم ليس مجرد دفاع عن شعب، بل هو دفاع عن فكرة التضامن، عن معنى العدالة، عن حق الإنسان في أن يُرى كما هو، لا كما يُشوَّه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى