
مصارف العراق تحت الرقابة الأميركية.. من يتحكم بالتحويلات ومن يدفع الثمن؟
المستقلة/- يجد النظام المصرفي العراقي نفسه منذ أواخر عام 2022 تحت ضغط رقابي متزايد مرتبط بتحويلات الدولار وتمويل الاستيراد، في إطار تشدد أوسع في قواعد الامتثال الدولية ومكافحة غسل الأموال. ويقول مصرفيون واقتصاديون إن هذا التشدد، المرتبط عملياً بإمكانية الوصول إلى النظام المالي الأميركي عبر بنوك المراسلة، أعاد ترتيب سوق التحويلات في العراق، وقلّص هامش عمل عدد من المصارف الخاصة، ورفع كلفة التجارة، لينتقل أثره سريعاً إلى السوق والمستهلك.
وبحسب تقديرات مصرفية، يعمل في العراق أكثر من 70 مصرفاً بين حكومي وخاص، إضافة إلى فروع لمصارف أجنبية، لكن النشاط الحقيقي يتركز في عدد محدود من المؤسسات. وتستحوذ المصارف الحكومية على الحصة الأكبر من الودائع ومعظم التعاملات الرسمية ورواتب الدولة، فيما تعتمد بنوك خاصة كثيرة على تمويل التجارة والتحويلات أكثر من اعتمادها على الإقراض والاستثمار، وهو ما يجعلها أكثر حساسية لأي قيود تتصل بالدولار أو التدقيق على المستندات التجارية.
ويصف مصرفيون آلية “التحويلات” بأنها قلب الأزمة. فالمصرف يقدم طلباً لتحويل أموال مقابل مستندات استيراد، ثم تُنفذ العملية عبر مراسلين خارجيين وفق قواعد تدقيق صارمة. لكن مصادر في القطاع تقول إن سنوات سابقة شهدت استغلالاً واسعاً للثغرات عبر فواتير مبالغ فيها أو عمليات استيراد وهمية أو بيانات غير دقيقة، ما رفع تصنيف المخاطر، ودفع إلى تشديد خارجي متصاعد انعكس على المصارف والسوق.
ويضيف مسؤولون مصرفيون أن القيود لا تقع بالتساوي على الجميع. فبنوك تمتلك أنظمة امتثال أقوى وعلاقات مراسلة أكثر استقراراً باتت أكثر قدرة على تمرير التحويلات، بينما عانى عدد من المصارف من قيود أو تباطؤ أو رفض لعمليات، ما دفع جزءاً من الطلب التجاري إلى التركز في قنوات محددة. وفي نظر مراقبين، فإن هذا التركز يجيب على سؤال “من يتحكم بالتحويلات؟” إذ يتحول التحكم عملياً إلى المصارف القادرة على تلبية معايير التدقيق، وإلى الوسطاء الذين يعرفون كيف يديرون المسارات الرسمية بكلفة أعلى، أو يلجأون إلى مسارات غير رسمية عندما تتعقد الإجراءات.
أما “من يدفع الثمن؟” فتجيب عنه السوق سريعاً، بحسب اقتصاديين، عبر ثلاثة مسارات. المسار الأول ارتفاع كلفة الاستيراد نتيجة تباطؤ التحويلات وارتفاع العمولات ومتطلبات التوثيق، وهو ما ينعكس على أسعار السلع في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. المسار الثاني اتساع نشاط السوق غير الرسمية كلما ظهرت فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، بما يضغط على القدرة الشرائية ويزيد التضخم. والمسار الثالث تراجع الثقة بالمصارف، إذ ما يزال جزء كبير من الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي، ما يحد من قدرة البنوك على الإقراض وتمويل الاقتصاد الحقيقي.
ويحذر مصرفيون من أن المشكلة لم تعد “سيولة دولار” فقط، بل “نموذج عمل” لقطاع مصرفي يعتمد على التحويلات أكثر من تمويل الإنتاج. فغياب الإقراض الفعال وتواضع الخدمات المصرفية يدفعان البنوك للبحث عن الربح في مسار الدولار وتمويل التجارة، وهو ما يرفع المخاطر ويجعل القطاع عرضة لأي تشدد خارجي. وفي المقابل، تبقى المصارف الحكومية، رغم سيطرتها على الودائع، أقل مرونة في تحديث التكنولوجيا وتطوير الخدمات، ما يترك فجوة بين الحجم والدور.
ويرى مختصون أن اختبار الإصلاح الحقيقي يبدأ من إجراءات قابلة للقياس، تشمل تشديد تدقيق فواتير الاستيراد ومنع المبالغة والتزوير، وتطوير أنظمة الامتثال داخل المصارف، وإعادة هيكلة المصارف الضعيفة عبر الدمج أو التصفية وفق معايير واضحة، إضافة إلى تعزيز الشفافية في تمويل التجارة وتقليل الاعتماد على النقد. كما يشددون على أن خفض كلفة التحويلات وحماية السوق يتطلبان تقليص مساحة التلاعب لا مجرد إدارة سعر الصرف.
وفي المحصلة، تحولت الرقابة على التحويلات إلى عامل يعيد رسم خريطة المصارف في العراق: مؤسسات قليلة قادرة على العمل ضمن المعايير، وأخرى تتراجع أو تُحاصر بقيود، وسوق يدفع كلفتها في الأسعار وكلفة المعيشة. وبينما يتحدث مصرفيون عن ضرورة إصلاح داخلي سريع لاستعادة الثقة وتقليل المخاطر، يبقى السؤال المفتوح: هل يستطيع العراق تحويل “تدقيق الدولار” إلى فرصة لإعادة بناء قطاع مصرفي يمول الاقتصاد، أم ستبقى التحويلات ساحة تتحكم بها قنوات محدودة وتدفع ثمنها الأسواق والمواطن؟





