الغباء موهبة.. فصائل المقاومة وحكم الشيعة

الغباء موهبة.. فصائل المقاومة وحكم الشيعة

الدكتور ليث شبر

ليس الغباء دائمًا نقصًا في الذكاء.
أحيانًا يكون مهارة مكتسبة،
وأحيانًا أخرى يكون وظيفة سياسية كاملة الأركان.

في التجربة العراقية بعد 2003، لا يمكن قراءة المشهد بوصفه صراعًا بسيطًا بين احتلال ومقاومة، أو بين سلطة ومعارضة. ما جرى – وما يزال يجري – أعقد بكثير: تناقض بنيوي داخل فكرة الحكم نفسها، حيث تتداخل السلطة مع اللا-سلطة، والدولة مع ضدّها، والسيادة مع نفيها.

الأمريكيون أسقطوا نظامًا، وفتحوا الباب لحكمٍ جديد قيل إنه “حكم المظلومية”. لم يفرضوا حاكمًا شيعيًا واحدًا، بل فتحوا المجال كاملًا لقوى شيعية أن تكون هي المركز السياسي الجديد. هنا بدأت المفارقة الأكبر:
كيف يمكن لمن استلم السلطة بدعوى المظلومية أن يؤسس دولة، وفي الوقت ذاته يؤسس منظومة مقاومة خارجها؟

من الناحية المنطقية، الدولة لا تقاوم نفسها.
ومن الناحية السياسية، السلطة التي تملك القرار لا تحتاج إلى فصائل.
ومن الناحية السيادية، السلاح لا يكون شرعيًا إلا حين يكون واحدًا.

لكن في العراق، جرى العكس تمامًا:
نشأت سلطة شيعية تحكم، وبجانبها – من داخلها – فصائل تقول إنها تقاوم.
تقــاوم من؟
تقــاوم ماذا؟
تقــاوم باسم من؟

هنا بالضبط يتجلى الغباء بوصفه موهبة:
ليس لأن الفاعلين لا يفهمون التناقض، بل لأنهم أتقنوا إدارة التناقض دون أن ينفجر.
حكمٌ يتحدث باسم الدولة، وفصائل تتحدث باسم ما فوق الدولة، وكلاهما من نفس البيئة السياسية، ونفس الثقافة، ونفس الخزان الانتخابي.

هذا ليس ارتباكًا…
هذا نظام مزدوج.

النظام المزدوج يقوم على معادلة دقيقة:

الدولة مطلوبة للحصول على الشرعية والمال والعلاقات.

الفصائل مطلوبة لإدامة الهيمنة والضغط والتحكم بالقرار.

العدو الخارجي مطلوب لإبقاء المجتمع في حالة تعبئة نفسية.

الحليف الخارجي مطلوب لضمان البقاء الاستراتيجي.

وفي هذه المعادلة، المواطن ليس طرفًا… بل أداة تكيّف.

يُطلب منه أن يصدق أن:

أمريكا عدو… لكنها ضرورة.

الدولة فاسدة… لكنها واجبة الطاعة.

السلاح خارج الدولة خطر… لكنه “مقدّس”.

السيادة مرفوعة في الشعارات… ومعلّقة في الواقع.

هذه ليست حالة ضياع وطني فقط،
هذه حالة تدريب جماعي على التعايش مع التناقض.

وهنا تحديدًا يتحول “الغباء” إلى:

مهارة سياسية: في تمرير ما لا يُمرَّر.

أداة خطابية: في خلط العدو بالحليف.

غطاء أخلاقي: لتبرير ما لا يُبرَّر.

آلية حكم: لإدامة اللا-دولة داخل الدولة.

الفصائل لم تكن طارئة على حكم الشيعة.
وحكم الشيعة لم يكن طارئًا على الفصائل.
كلاهما نشأ من رحم لحظة واحدة: لحظة استبدال الاستبداد بالازدواج.

ولهذا فإن الأزمة ليست في وجود السلاح فقط،
ولا في النفوذ الخارجي فقط،
ولا في الفساد فقط،
بل في الوعي الذي تعلّم كيف يبرر كل ذلك دفعة واحدة.

الغباء هنا ليس جهلًا…
هو قدرة عالية على تأجيل السؤال الحقيقي:

> هل نحن دولة؟
أم منطقة نفوذ؟
أم جبهة؟
أم مسرح تناقضات؟

طالما هذا السؤال مؤجَّل،
ستبقى “المقاومة” بلا نهاية،
و”الحكم” بلا دولة،
و”الشيعة” بلا مشروع جامع،
و”العراق” بلا تعريف واضح لنفسه.

وفي النهاية،
الغباء لم يعد حالة فردية،
ولا خطأً عابرًا،
ولا سوء فهم مؤقتًا.

لقد تحوّل إلى موهبة وطنية لإدارة المستحيل… دون أن نملك شجاعة لتغيير هذا الواقع الفوضوي.

زر الذهاب إلى الأعلى