
صراع الولاية الثانية… هل تضع واشنطن “فيتو” على السوداني
المستقلة/- تتصاعد حالة الغموض داخل المشهد السياسي العراقي مع تسريبات تتحدث عن موقف أميركي غير مرحّب بتجديد ولاية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لولاية ثانية، في وقت لم يحسم فيه الإطار التنسيقي مرشحه بشكل رسمي، وسط انقسام داخلي وتزايد تأثيرات التوتر الإقليمي على حسابات بغداد.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة تحدثت لـ“المستقلة”، فقد جرى إبلاغ بعض قيادات الإطار خلال الساعات الماضية بمضمون موقف أميركي “غير داعم” لاستمرار السوداني في رئاسة الحكومة، في إشارة إلى تدخل غير مباشر في مسار تشكيل الحكومة المقبلة، عبر رسائل سياسية تُقرأ في إطار اشتراطات القبول الخارجي وحدود التفاهم مع واشنطن.
وتقول المصادر إن الإطار التنسيقي لا يزال منقسماً بين جناح يتمسك بخيار بقاء السوداني، باعتباره “الأقل كلفة” داخلياً والأقدر على إدارة توازنات معقدة بين القوى السياسية، وبين جناح آخر يدفع باتجاه طرح بدائل، مع بقاء اسم نوري المالكي حاضراً في التداولات من دون إعلان انسحاب رسمي. وفي المقابل، يلفت مراقبون إلى أن رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي لم يعلن موقفاً واضحاً حتى الآن، ما يزيد من ضبابية الصورة داخل المعسكر الشيعي.
وفي قراءة أسباب الموقف الأميركي المتداول، تربط مصادر سياسية هذا التحفظ—إن صح—بعدة ملفات متداخلة، أبرزها حساسية واشنطن تجاه طبيعة العلاقة مع إيران، وتقييمها لأداء الحكومة في ملف ضبط الفصائل المسلحة، إضافة إلى الملف الاقتصادي والمصرفي الذي تحوّل خلال العامين الأخيرين إلى ساحة ضغط مركزية، مع تشديد الرقابة على التحويلات وحركة الدولار ومسارات الامتثال. كما أن التصعيد الإقليمي بين واشنطن وطهران يجعل الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى حكومة عراقية “مضمونة الاتجاه” في ملفات الأمن وحماية المصالح والبعثات والمنشآت.
غير أن مراقبين يشيرون إلى أن أزمة الإطار لا تتعلق بالضغط الخارجي وحده، بل تكشف أيضاً أزمة توافق داخلية. فحتى اللحظة لا يوجد إعلان رسمي لمرشح نهائي، ولا انسحاب واضح للأسماء المتداولة، فيما يستمر “الصراع الصامت” بين الأجنحة على شكل الحكومة المقبلة وتوازناتها وتوزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يعرقل الانتقال من مرحلة التسريبات إلى مرحلة الحسم.
وبحسب تقديرات سياسية، فإن المرحلة المقبلة قد تتجه إلى أحد ثلاثة مسارات. المسار الأول هو الإبقاء على السوداني إذا نجح في تثبيت دعم داخلي كافٍ داخل الإطار وتأمين حد أدنى من التفاهمات الخارجية التي تمنع التصعيد. المسار الثاني هو طرح بديل توافقي بشخصية أقل إثارة للحساسية لدى واشنطن ولا تستفز طهران، في محاولة لتدوير الزوايا وتخفيف كلفة الصدام. أما المسار الثالث، وهو الأقرب وفق المزاج الحالي في الكواليس، فهو استمرار التأجيل السياسي وترحيل الحسم بانتظار اتضاح مسار التوتر الإقليمي وتوازناته، مع بقاء الحكومة الحالية في وضع إدارة مؤقتة.
وفي المحصلة، تضع التسريبات المتداولة بغداد أمام سؤال حساس يتجاوز اسم رئيس الوزراء إلى طبيعة القرار السياسي نفسه: هل يستطيع الإطار التنسيقي حسم مرشحه بمعزل عن حسابات الخارج، أم أن مرحلة ما بعد التصعيد الإقليمي فرضت معادلة جديدة تجعل “القبول الدولي” جزءاً حاسماً من مسار تشكيل الحكومة؟ وبينما تترقب القوى السياسية إشارات الأيام المقبلة، يبقى ملف الولاية الثانية للسوداني في قلب اختبار مزدوج: توافق داخلي من جهة، وتوازن خارجي من جهة أخرى.





