دروس العام 2014 في العراق
أحمد القاسمي…
شهد العراق في العام 2014 أحداثا هامة كفيلة بأن تكون مؤشرا على ضرورة طي حقبة وبدء حقبة جديدة. بروز تنظيم داعش وسيطرته على مناطق شاسعة من العراق هو حدث أظهر ضعف الدولة العراقية ومؤسساتها من جيش وشرطة في الحفاظ على مظاهر وجودها داخل أراضيها، كما أثبت خطأ أسلوب قيادة العراق الذي لم يفلح منذ عام 2003 في خلق انتماء للدولة العراقية الديمقراطية التي تأسست بعد عقود من الدكتاتورية.
الحدث الآخر كان اضطرار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي للتخلي عن ترشيحه لفترة ثالثة بعد ثمانية أعوام قضاها في الحكم.أما الانخفاض الشديد في أسعار النفط العالمية فكان الحدث الثالث الذي كشف الأسس الهشة للاقتصاد العراقي الريعي.
لقد كانت هناك ردود أفعال قوية على كل من الأحداث السابقة، ولا يعني ذلك أنها كانت السبب المباشر في حدوثها، إلا أنه يمكن القول إن ما أعقب الأحداث الثلاثة سجّل بداية استجابة جدية مباشرة إما لإيجاد حل لها، أي التصدي الذي لا زال مستمرا لداعش وللتعامل مع عواقب انخفاض أسعار النفط، أو لإدخال تغييرات جوهرية في كيفية إدارة شؤون الدولة بعد انقضاء حقبة المالكي. كان لإصرار نوري المالكي على الترشح لفترة ثالثة، رغم رفض أطراف عديدة من خارج وداخل ائتلافه، دورا هاما في ضعف الثقة لدى قطاعات واسعة من الشعب العراقي بإمكانية تحسّن الأوضاع الأمنية والحياتية، كما أنه عمّق الاختلافات بين ممثلي الكتل السياسية في العراق والذين انقسموا بين مؤيد لترشيحه ومعارض له.
حالة التشاؤم العام هذه ساعدت تنظيم داعش على احتلال مساحات شاسعة من العراق في الصيف الماضي، فلم يجد تنظيم داعش مقاومة تُذكر في كثير من المدن التي فرض هيمنته عليها بسهولة وفي بعض الأحيان وسط ترحيب الأهالي. كان من نتائج تلك السيطرة التي فاجأت الجميع القضاء على آمال رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالحصول على فترة رئاسية ثالثة، كما دفعت الائتلاف العراقي الموحد لترشيح وجه سياسي معتدل ومقبول بمزايا ومؤهلات شخصية مختلفة عن تلك التي كانت لسلفه.
أما انخفاض أسعار النفط العالمي فدفع الحكومة الجديدة إلى الإعلان عن اتخاذ إجراءات جدية في محاربة الفساد الإداري المتفشي، وكذلك التفكير ببدائل للنفط سواء عن طريق الدعوة للاهتمام بالزراعة، كما طالبت بعض الأصوات، أو بتقوية دور القطاع الخاص في الاستثمار وتوفير فرص العمل، لإنهاء دور الدولة الرعوية في بلد يفوق عدد سكانه الثلاثين مليونا. كل تلك الأحداث والاستجابة لها تثبت مجددا مسألة قديمة في عالم السياسة هي أن الواقع يفرض نفسه على الجميع لإيجاد حلول مناسبة للمشكلات الموجودة بعيدا عن الأماني أو الإيديولوجيات والتحزبات الضيقة، لأن التعامل المتهاون أو الخاطئ مع تلك المشكلات سيعني تفاقمها إلى درجة مستعصية على الحل. لقد عاش العراق في السنوات السابقة تجارب مؤلمة ولكنها تجارب أجبرت الجميع على تغيير قناعاتهم ومواقفهم السياسية التي كانت السبب في خلق تلك المشاكل، وهذا ما أظهرته الخطابات الجديدة التي شهدها العراق في الأشهر الأخيرة.
لقد توصّلت الكتل السياسية في العراق إلى قناعات جديدة أكثر تسامحا وانفتاحا على شركاء الوطن الآخرين، كما أدركت مكونات الشعب العراقي، على اختلاف انتماءاتها، أن دغدغة السياسيين للمشاعر الطائفية أو القومية لم تسهم في تحسن حالتها المعيشية أو الأمنية، بل على العكس فاقمت من سوئها. لقد أصبح مطلب الحق في حياة كريمة آمنة للجميع في سلم الأولوية بالنسبة للمواطن العادي الذي سئم التحشيد الطائفي والقومي واكتشف أن الكثيرين من المتحدثين باسمه غير معنيين في النهاية بمشاكله الحقيقية. يجب التصدي لممثلي مجموعتين من العاملين في السياسة وطرح بدائل أفضل لمقولاتهم أو مشاريعهم السياسية والمجتمعية، بغض النظر إن كان هؤلاء من العاملين بصورة قانونية علنية، أو إرهابية سرية مليشاوية. هاتان المجموعتان كانتا السبب في انسداد آفاق الانفراجة التي طال انتظارها منذ عام 2003: أولاهما تتألف من السياسيين الذين يلجأون إلى ممارسات أو خطابات طائفية أو قومية لزيادة شعبيتهم وتحقيق منافعهم الخاصة أو تصوراتهم الساذجة في استبعاد الآخرين من مراكز السلطة والقرار، أو الاطاحة بالنظام السياسي الديمقراطي الحالي لاسترجاع “حق مسلوب”.
وثانيتهما مجموعة تضم المتطرفين الطائفيين أو القوميين الذين يتّبعون أسلوب المعادلة الصفرية لأسباب طائفية أو قومية، بمعنى أن فوزهم بشيء يجب أن يتم بالضرورة على حساب الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى، كما لو كانت السياسة تصفيات نهائية في بطولة لكرة القدم. إلا أن ما جرى خلال الأعوام الماضية أثبت أن هؤلاء لن يقودوا العراق إلا إلى مزيد من التشرذم والويلات وأنهم غير قادرين في النهاية على تحقيق شعاراتهم الاقصائية، لا في تحقيق الرفاه للمنتمين لطائفتهم أو قوميتهم ولا في إسكات الآخرين وأخضاعهم، بسبب طبيعة المكونات العراقية التي عاشت على مدى قرون بتسامح وكذلك بسبب توزيعها الجغرافي المتداخل. فقيام الدولة باعتقال الأبرياء بناء على انتمائهم الطائفي للاشتباه في كونهم إرهابيين هو سلوك خطر لأنه يحوّل الدولة، التي يجب أن تكون ممثلة لمصالح كل مواطنيها، إلى أداة بيد طائفة ما.
ولقد أظهرت التجارب أن اعتقال الأبرياء لم يسهم في كبح جماح المنظمات الإرهابية، بل دفع بعض المعتقلين للانضمام إليها، بعد الخروج من السجون. أما مجموعة المتطرفين فلن تستطيع تحقيق نصر على الطائفة الأخرى أو القوميات الأخرى، فمهاجمة الأبرياء في المدن بالتفجيرات الانتحارية لا يعد نصرا ولا حتى من وجهة النظر العسكرية، لأنها بالنهاية لن تنهي وجودهم أو تدفعهم لإعلان الاستسلام. أما طرح مطالب انفصالية في عالم متأزم نجحت فيه بعض الدول الكبرى في ابتلاع أجزاء من دول أخرى وضمها، كما حدث في أوكرانيا، فلن يكون مستبعدا أن يؤدي، في حالة تحقيق الانفصال، إلى أن تجد تلك الأطراف نفسها لاحقا محتلّةً من قِبل بلد مجاور طالما اعتبرها جزءا من أراضيه.
يجري الحديث في كثير من الأوساط السياسية خارج وداخل العراق وكذلك في العديد من وسائل الإعلام عن العراق ما بعد إسقاط النظام السابق وكأنه امتداد لسلسلة من الأحداث المأساوية المتشابهة دون وجود نقاط قطع أو تحولات جوهرية، إلا أن هذا الكلام العام خاطئ. فلقد اختفت خطابات شهدت فترة وجود قوي لها وكانت جميعا من طبيعة متطرفة سواء في إلغاء الآخرين أو هزيمتهم أو الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المنافع الطائفية أو القومية في العراق ما بعد إسقاط النظام السابق. انكشاف تناقضات الرؤى غير الواقعية وغير الإنسانية في كل تلك المشاريع المتطرفة، جعل الاحتكام لبدائل أكثر واقعية وإنسانية متوافقة مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة مسألة حياة أو موت.
الدولة الوطنية الحديثة هي كيان قانوني وأخلاقي واجبه الأساسي الاهتمام براحة مواطنيه وتوفير السبل لهم لتطوير وتنمية قدراتهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الطائفية أو العرقية، وكذلك المساهمة في رقي البشرية سواء عن طريق المشاركة في النقاشات الدائرة في المحافل الدولية أو تقديم المعونات الاقتصادية أو عن طريق الاختراعات العلمية المفيدة للبشرية.
ورغم أن مساهمة العراق الحديث منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 في كل تلك الأشياء شحيحية جدا، إلا أن أهميتها لدى العراقيين تظهر في إعجابهم الشديد بماضيهم الحافل بما هو مفيد للبشرية من شرائع وقوانين أو اختراعات علمية. إلا أن التاريخ لا يسير لوحده بل بحاجة إلى الإنسان الفاعل، كما قال ماركس ذات مرة، إذ يجب دعم التوجهات الحالية من خطاب توافقي على الصعيد السياسي و”صحوة” عامة للشعب العراقي لتسجيل انتقال حقيقي من واقع الانقسام والمعارك العبثية إلى آفاق التسامح والحوار الرحبة وتنافس الأفكار والخطابات والطروحات الهادفة إلى ما فيه خير لكل المواطنين.
إن تجنب رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي للإشارات الطائفية وتركيزه على وحدة الشعب العراقي ككل في تصريحاته، وتنصل بعض قيادات الائتلاف العراقي علنا من ممارسات الفساد الإداري والإقصاء وشراء الذمم التي جرت خلال الأعوام الماضية، وكذلك الدعوات المستمرة التي تطالب الحكومة العراقية بتحرير المناطق التي يحتلها تنظيم داعش والتي يطلقها سياسيو وسكّان مناطق الموصل وصلاح الدين والأنبار هي أدلة أخرى على الإيمان بالدولة العراقية المدنية وإدانة للتنظيمات الإرهابية. إن من ثمار هذه العقلية الجديدة المنفتحة أيضا هو التوصل لاتفاق نفطي بين إقليم كردستان والحكومة المركزية، والذي جاء بعد أعوام من تعنت الطرفين، ليضرب مثلا في كيفية حل المشاكل العالقة حسب القانون ووفق مبدأ الحوار بين أبناء البلد الواحد. هناك صورة لعراق جديد أفضل بدأت بالتشكّل حاليا بعد تجارب نوعية قاسية شهدها العراق خلال الأشهر الماضية، لكنه عراق ما زال بحاجة إلى الرعاية والدعم.
إذا اجتاز العراق في السنوات الأربع المقبلة أزمات كداعش أو القضاء على حيتان الفساد السياسي والاقتصادي ومحاكمتهم، فلن يكون من المستغرب أن تتم الانتخابات المقبلة لأول مرة وفق أساس إثبات الأفضلية في إطار الهوية العراقية الرئيسية الجامعة وليس، كما جرت حتى الآن، على أساس انتماءات الهويات الفرعية المُشَرْذِمَة.
المصدر : ايلاف





