
ثلاثة سيناريوهات لتشكيل الحكومة في العراق.. تهدئة أم تسوية أم تعطيل؟
المستقلة/ سياسية/ تقرير/- يدخل العراق مرحلة سياسية حساسة مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، بالتوازي مع سعي القوى الداخلية إلى تجنب انزلاق المشهد نحو انسداد أطول أو مواجهة مفتوحة. وفي ظل هذا المناخ، لم يعد سؤال تشكيل الحكومة محصوراً في من يمتلك مقاعد أكثر داخل البرلمان، بقدر ما بات مرتبطاً بمعيار أكثر تعقيداً: من هو المرشح القادر على تمرير حكومة بأقل كلفة خارجية، وبأعلى قدر ممكن من القبول داخل التوازنات المحلية؟
وتشير المعطيات المتداولة في الكواليس إلى أن قواعد اللعبة السياسية لن تتغير جذرياً، لكن طريقة اختيار رئيس الحكومة قد تتغير لتستجيب لمعادلة “التهدئة” المطلوبة إقليمياً، ولحسابات الداخل التي تبحث عن مخرج قابل للتسويق سياسياً ويقلل كلفة الصدام. وفي هذه القراءة، يبرز أمام القوى السياسية ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتراوح بين خيار التهدئة، وخيار التسوية، وخيار التعطيل.
السيناريو الأول هو “خيار التهدئة”، ويتمثل في استمرار أو تجديد الثقة برئيس الوزراء محمد شياع السوداني. ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه الأكثر واقعية في اللحظة الراهنة، لأن السوداني يُقدَّم لدى أطراف عدة كخيار أقل إثارة للحساسية الخارجية، وقادر على تأمين حد أدنى من القبول الدولي، ولا سيما في الملفات المالية والاتصالات السياسية التي ترتبط بعلاقة العراق مع الولايات المتحدة وشركائه. كما يُطرح داخل بعض التحالفات الشيعية باعتباره “الخيار الآمن” لعبور مرحلة يتخوف كثيرون من ارتداداتها على الداخل، سواء في الاقتصاد أو الأمن أو الاستقرار الاجتماعي.
لكن “التهدئة” هنا لا تعني بالضرورة رضاً سياسياً شاملاً، بقدر ما تعني تقليلاً للخسائر وتجنب فتح جبهات خلاف جديدة. فاستمرار السوداني، وفق هذا المنطق، قد يقترن بتفاهمات جديدة على شكل الحكومة وأولوياتها، أو بتعديلات في التوازنات داخل التحالفات الداعمة، بما يمنح القوى مساحة لإعادة ترتيب مواقعها من دون الذهاب إلى صدام كبير.
السيناريو الثاني هو “خيار التسوية”، ويقوم على طرح شخصية تكنوقراطية أو إدارية مثل صالح الحسناوي، في حال تعثر التوافق على الأسماء الثقيلة أو تصاعدت الاعتراضات الداخلية والخارجية على خيارات معينة. ويجري تسويق هذا المسار باعتباره محاولة لتقديم حكومة بعنوان “إدارة لا سياسة”، أو على الأقل تخفيف حدّة الاستقطاب عبر مرشح أقل جدلاً، يمكن تمريره باعتباره حلاً وسطاً يوازن بين ضغط الشارع ومخاوف القوى السياسية من استمرار الفراغ.
غير أن هذا السيناريو، رغم جاذبيته من حيث الشكل، يواجه اختباراً عملياً: أي رئيس وزراء “تسوية” يحتاج إلى غطاء سياسي صلب كي لا يتحول إلى واجهة ضعيفة تُستهلك سريعاً في صراعات الكتل. لذلك، يراه متابعون تسوية اضطرارية تُستخدم عندما تنسد الطرق أمام المرشحين التقليديين، أكثر مما هو خيار نابع من قناعة سياسية ثابتة، خصوصاً إذا بقيت الانقسامات على حالها داخل القوى التي يفترض أن تمنح الحكومة ثقتها.
السيناريو الثالث هو “خيار التعطيل”، ويتمثل في إعادة طرح أسماء صدامية داخل البيت السياسي، وفي مقدمتها اسم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره الأكثر حساسية، لأنه قد يفتح الباب أمام اعتراضات خارجية واضحة، ويعمق الانقسام داخل التحالفات الشيعية نفسها، ويعيد إنتاج حالة الاستقطاب التي ترفع كلفة التوافق مع القوى السنية والكردية. كما أن طرح شخصية خلافية في توقيت ضاغط قد يحول تشكيل الحكومة إلى معركة كسر إرادات، ويزيد احتمالات الشلل السياسي بدل إنتاج تسوية قابلة للحياة.
وتذهب قراءات سياسية إلى أن خطورة هذا السيناريو لا تتعلق بالاسم وحده، بل بما يجرّه من صراع على شكل الدولة وإدارة ملفاتها، ولا سيما ملف السلاح خارج الدولة، والعلاقات الخارجية، والتوازن بين واشنطن وطهران. وفي ظل مناخ داخلي متوتر، قد يصبح هذا المسار سبباً في إطالة الأزمة لا حلّها، لأنه يراكم الاعتراضات بدلاً من تبديدها.
في المحصلة، يبدو أن تشكيل الحكومة المقبلة محكوم بثلاثة مسارات واضحة: تهدئة عبر استمرار خيار قائم يحظى بقبول معقول، أو تسوية عبر مرشح إداري يخفف الاستقطاب، أو تعطيل عبر إعادة فتح باب الصدام الداخلي والخارجي. وبين هذه الخيارات، تتحرك القوى السياسية وفق معيار بات أكثر حضوراً من أي وقت مضى: من هو “الأقل كلفة خارجياً” والأكثر قدرة على جمع الحد الأدنى من القبول الداخلي، لتمرير حكومة هادئة تتجنب الانفجار السياسي وتمنح الدولة فرصة لإدارة مرحلة شديدة الحساسية.





