حرص الغرب على ترجمة روايات حنان الشيخ

إبراهيم أبو عواد

كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ (وُلدت 1945) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية، أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة. لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة “، وبين المَيل نحو المواضيع المثيرة للجدل، ولا سِيَّما تلك المرتبطة بالجسد والجنس، وما يَراه الغربُ تمرُّدًا على الأعراف التقليدية.

إنَّ ترجمة روايات حنان الشيخ ليست مُجرَّد جُهد أدبي لنقل لُغة أو أُسلوب، بل هي انعكاس لرغبة غربية في استكشاف الحميمية الجنسية والثقافية في المجتمعات العربية، كما لو أنَّ الروايات تُقَدِّم نافذة مفتوحة على الكلام المُحرَّم في الثقافة العربية التقليدية. وهذا الحِرص الغربي _ رغم ما فيه من إيجابيات في نشر الأدب العربي عالميًّا _ يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول معايير الاختيار. هل تُتَرْجَم الرواية لأنَّ لغتها وأحداثها مُتْقَنَة ومُؤثِّرة، أَمْ لأنَّها تُلبِّي فُضولَ الغرب نحو ” جسد المرأةِ العربية المكبوتة جنسيًّا “؟ .

مِن الناحية الفنية، تعاني روايات حنان الشيخ من التكرار والسرد المُبالغ فيه، والاعتماد على وصف الجسد والتفاصيل الجنسية بشكل يَفُوق الحاجة الدرامية أو البُنية الروائية. هذا التركيز على الجسدِ والبحث عن الإثارة الجنسية يُغَطِّي على بناء الشخصيات بشكل متكامل، ويُقَلِّل مِن العُمق النَّفْسي والاجتماعي للروايات. وفي أعمالها، يبدو أنَّ الصراع الرئيسي لا يتجاوز حدودَ العلاقة الجنسية أو التجربة الجسدية، مَا يَجعل الرواية سطحية في تعاطيها مع القضايا المُجتمعية الكُبرى.

علاوة على ذلك، يُمكن القول إنَّ حنان الشيخ تُقَدِّم صورةً نمطية للمرأة العربية، تَصِفُها كمكبوتة جنسيًّا، أوْ مُضْطَهَدَة بشكل دائم، مِمَّا يُغَذِّي تصوُّرات الغرب عن ” المرأة العربية المقهورة “، ويُسهِم في ترسيخ هذا التصوُّر بدل تقديم صورة أكثر تنوُّعًا وواقعية للمرأة في المُجتمعات العربية. هذه الرؤية أُحادية الجانب تُفْقِد القارئَ فُرصة فهم أوسع للهُوِيَّة الأُنثوية المُتعددة الأبعاد.

وتركيزُ حنان الشيخ على الجسد والجنس، مع تصوير دائم لقمع المرأة واضطهادها، يترك انطباعًا مُبَالَغًا فيه عن الواقع الاجتماعي. رواياتُها تميل إلى تصوير المرأة العربية ككائن جِنسي خاضع لمجتمع ذكوري ظالم، وهو تصوير يُقَلِّل من الرؤية المُعقَّدة لواقع المرأة العربية، ويختزلها في قالب من الألم والاضطهاد الجنسي.

حِرْصُ الغرب على ترجمة روايات حنان الشيخ ليس اعترافًا بالأدبِ العربي، وإنَّما هو جُزء مِن مادَّة إعلامية وثقافية تُلبِّي تصوُّرات مُسْبَقَة عن العربِ والمرأةِ العربية، وهو ما يَجعل هذه الترجمات أقرب إلى ” أدب الفُضول ” مِنْه إلى أدب عالمي مُتوازن.

مِن المُهم التمييز بين قيمة اللغة والأُسلوب، وبين مضمون الرواية وأثرها الاجتماعي والثقافي. يمتاز أُسلوب حنان الشيخ بالسَّلاسة والقُدرة على جذب القارئ، لكنَّ المبالغة في تصوير الجسد، والتركيز على القمع والاضطهاد، يَجعل الروايةَ ضعيفةً في مُعالجة القضايا الإنسانية.

وترجمةُ أعمالها تعكس اهتمامات خارج إطار الأدب، مُتعلقة بالفُضول الثقافي والسياسي، والنظرةِ الاستشراقية المُتطرفة إلى الأُمَّة العربية باعتبارها جماعات بدوية بِدائية مُتخلفة في عَالَمِ الصَّحَاري والخِيَام والجِمَال، لَيْسَ لها تاريخٌ ولا مدنية ولا حضارة ولا إنجازات أدبية ولا عِلْمية.

قراءة روايات حنان الشيخ تتطلَّب نقدًا واعيًا، لا يكتفي بالشُّهرة أو الترجمات الغربية. وينبغي النظر إلى أبعاد الروايات أدبيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، مع ضرورة التمييز بين الصُّوَرِ المثيرة للفُضولِ، والصُّوَرِ المُعبِّرة عن واقع الحياة المُتَنَوِّع والمُعقَّد في العالَم العربي.

رغم المكانة الأدبية المرموقة التي تحتلها حنان الشيخ في المشهد الروائي العربي، إلا أنَّ قراءة رواياتها بِتَمَعُّن تكشف عن مجموعة من نقاط الضعف التي تظلُّ عالقةً في أُفُقِ النُّصوص، وتُضْعِف حُضورَها الروائي.

النُّقْطة الأُولَى: الإفراط في التفاصيل، حيث تُصبح المَشَاهِدُ طويلةً ومُعقَّدة، مِمَّا يُثْقِل النَّصَّ، ويُشتِّت الانتباهَ عَن مِحْوَر الحبكة الرئيسية، تاركة القارئ في حالة مِن الضياع بين التفاصيل الدقيقة والهدف العام للرواية.

النقطةُ الثانية: أُسلوب حنان الشيخ يتَّسم بالعاطفة الجَيَّاشة، والانغماسِ في النَّفْس البشرية، لكنَّه يتحوَّل إلى انحياز لمشاعر الشخصيات، بحيث تغيب الحيادية الفنية، ويَشعر القارئُ بأنَّ الأحداث تتماشى مع العاطفة أكثر مِن منطق السرد، وهذا يُضْعِف الإقناعَ الروائي، ويُقَلِّل مِن التوتُّر الدرامي المطلوب في اللحظات الحرجة.

النقطة الثالثة: التَّكرار في الموضوعات والأفكار، خُصوصًا مَا يَتعلَّق بجسد المرأة وحُريتها، والصراع بين المرأة والمجتمع، أو الانكسارات العاطفية، مِمَّا يُقَلِّل مِن عُنصر المُفاجأة لدى القارئ. وهُناك تقارُب خطي بين رواياتها، وكأنَّها تدور في دائرة مُغْلَقَة مِن الأفكارِ نَفْسِها، دُون تقديم رؤية جديدة، أو عوالم مختلفة.

النقطة الرابعة: الطرح الفكري المُباشر على حساب تعميق البناء الفني أو تطوُّر الشخصيات. وهذا قَدْ يُقْنِع العقلَ مؤقَّتًا، لكنَّه لا يَترك أثرًا حَيًّا في الوِجْدان.

زر الذهاب إلى الأعلى