
بعد وساطة السوداني.. توم باراك يتوجه إلى بغداد ولقاء مرتقب مع المالكي
المستقلة/ متابعة/- يتجه مستشار الإدارة الأميركية توم باراك إلى العاصمة العراقية بغداد، وفق ما أورده موقع تلفزيون العربي، في زيارة غير معلنة قد تثير تساؤلات واسعة داخل المشهد السياسي العراقي بشأن توقيتها وصلتها بملف تشكيل الحكومة المقبلة، ولا سيما ما يُتداول عن ضغوط أميركية لتقييد خيارات بعض الأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء، وفي مقدمتها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
وتأتي الزيارة في لحظة يتشابك فيها الاستحقاق الداخلي مع اعتبارات خارجية شديدة الحساسية، إذ بات اختيار رئيس الحكومة لا يقتصر على موازين البرلمان وتفاهمات الكتل، بل يرتبط أيضاً بمعادلة “القبول الخارجي” وطمأنة الشركاء الدوليين تجاه مسارات الأمن والاقتصاد والاستقرار المالي.
ويقول متابعون إن واشنطن، التي تملك تأثيراً غير مباشر عبر ملفات الدولار والمصارف والتحويلات والرقابة المالية، تنظر إلى هوية رئيس الوزراء المقبل باعتبارها مؤشراً على اتجاه الدولة العراقية في ملفات السلاح خارج الدولة والعلاقة مع إيران وتوازن القرار السيادي.
وفي هذا السياق، يربط مراقبون بين زيارة باراك وبين محاولات إدارة النقاش السياسي من زاوية “تقليل المخاطر”، خصوصاً إذا كانت بعض القوى تدفع باتجاه أسماء تُعدّ مثار جدل داخلي وخارجي. ويُنظر إلى المالكي بوصفه اسماً ذا حمولة سياسية عالية في الداخل، وفي الوقت نفسه يرتبط بقراءات دولية متباينة حول طبيعة سياسات بغداد المقبلة، ما يجعل عودته إلى واجهة الترشيح كافية لرفع درجة الاستقطاب وتعقيد التوافقات داخل البرلمان وخارجه.
لكن أنصار المالكي يطرحون قراءة مغايرة، إذ يرى مقربون من ائتلاف دولة القانون أن طرح اسمه لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية الحساسية الخارجية، بل من زاوية “الخبرة” وإدارة الملفات المعقدة. ويقول مؤيدون إن المالكي يمتلك تجربة طويلة في التعامل مع الملفات الأمنية والاقتصادية في أوقات الأزمات، وإنه يعرف آليات التفاوض مع واشنطن وحدود الضغط والتفاهم معها، ما يجعل حضوره—وفق هذا المنطق—عامل “قدرة على اتخاذ قرارات صعبة” في مرحلة تتطلب حسمًا أكثر مما تتطلب تسويات رخوة.
ويضيف هذا التيار أن الضغوط الخارجية، مهما كانت طبيعتها، لا ينبغي أن تتحول إلى معيار وحيد لاختيار رئيس الوزراء، محذراً من أن التركيز على “القبول الدولي” وحده قد يُنتج حكومة ضعيفة أمام الانقسامات الداخلية، أو عاجزة عن إدارة ملفات حساسة مثل ضبط السلاح خارج الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة مع القوى الفاعلة، وتثبيت الاستقرار المالي دون تنازلات سياسية كبرى.
في المقابل، ترى أطراف أخرى أن المشكلة ليست في “الخبرة” بحد ذاتها، بل في قابلية الاسم المطروح لتمرير حكومة مستقرة وقابلة للعمل داخل توازنات البرلمان، وفي قدرة المرشح على بناء شراكة سياسية واسعة مع القوى السنية والكردية، فضلاً عن إدارة العلاقة الخارجية دون إدخال البلاد في موجات ضغط اقتصادي أو سياسي. ويشير متابعون إلى أن أي خيار يرفع مستوى الاستقطاب قد يقود إلى تعطيل أطول بدل تسريع التوافق، خصوصاً إذا تداخل الجدل الداخلي مع رسائل خارجية متشددة.
ولا يعني ذلك، وفق قراءات سياسية، أن زيارة باراك تُختزل في “اعتراض على اسم” بقدر ما قد تكون جزءاً من رسائل أوسع تتعلق بشروط المرحلة: حكومة لا تُفجّر الانقسام الداخلي، ولا تفتح مواجهة مع الخارج، وتضمن استمرار الاستقرار المالي وتجنب أي إجراءات قد تهز السوق أو تعطل قنوات التعامل المصرفي. ويضيف مراقبون أن واشنطن تفضّل عادة حلاً “أقل كلفة” يحافظ على خطوط التواصل ويمنع انتقال الانسداد السياسي إلى أزمة اقتصادية، وهو ما يضع على الطاولة خيارات التهدئة أو التسوية، بدلاً من خيارات التصعيد.
ومن جانب آخر، يتوقع مراقبون أن تحمل الزيارة طابع “استطلاع المواقف” عبر لقاءات مع أطراف حكومية وسياسية، في محاولة لقراءة اتجاهات التحالفات داخل البرلمان، ومدى قابلية الكتل لتقديم مرشح توافقي يمرّ بأقل اعتراضات. وفي حال تزامنت الزيارة مع نقاشات داخل الإطار التنسيقي والقوى السنية والكردية، فإنها قد تسهم—ولو سياسياً—في ترجيح مسار يقترب من الاستمرارية أو الحل الوسط، أو في تثبيت خطوط التماس حول الأسماء الأكثر جدلاً.
ويبقى السؤال العملي: هل ستترجم زيارة باراك إلى رسائل مباشرة تُسرّع التوافق الداخلي، أم أنها ستُستثمر داخلياً لتكريس روايات “الضغط الخارجي” بما يزيد الاحتقان؟ الإجابة ستتضح مع طبيعة اللقاءات التي سيجريها في بغداد وما يصدر عنها من إشارات، خصوصاً في ملف رئاسة الوزراء الذي يتقدم اليوم كأكثر مفاصل المشهد السياسي العراقي حساسية.





