
تغوّل السلطة القضائية في العراق – الأسباب والمخاطر
المستقلة/ تحقيق استقصائي/- يشهد النظام السياسي في العراق تحولًا معقدًا في بنية العلاقة بين سلطاته الدستورية، بفعل تزايد رغبة السلطة القضائية التدخل في مسارات العمل السياسي، الامر الذي اصبح، يُثير قلقًا متناميًا بشأن تآكل مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في الدستور العراقي لسنة 2005. فرغم أن القضاء يمثل الضامن الأعلى لسيادة القانون وحماية النظام الديمقراطي من الانتهاكات، إلا أن التوسع غير المنضبط في صلاحياته، وخارج الإطار المرسوم له في الدستور والقوانين النافذة، يهدد بإعادة تشكيل المشهد السياسي والدستوري على نحو يُضعف من توازن السلطات ويقوّض ثقة الجمهور في حيادية المؤسسة القضائية.
اختلال مبدأ الفصل بين السلطات
عند مراجعة المادة (47) من الدستور العراقي والتي تنص على أن “تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهامها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات”. الامر الذي يعني وبما لا يدع مجال للشك، أن لكل سلطة اختصاصات محددة لا يجوز تجاوزها أو تغوّل سلطة على اختصاصات السلطات الأخرى.
ورغم ان مبدأ الفصل بين السلطات كان واضحا وجليا في الدستور، الا انه وخلال العشرين سنة الماضية، قد تعرّض للاهتزاز والانتهاك من قبل السلطة القضائية، ممثلةً بالمحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، ليتعدى دور تفسير النصوص القانونية إلى التأثير الفعلي في التأثير وصناعة القرار السياسي، وهو ما يتناقض مع نص المادة (90) من الدستور، التي تحدد وظيفة المحكمة الاتحادية بـ”الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتفسير نصوص الدستور والفصل في النزاعات الدستورية”.
صلاحيات بلا مساءلة تشريعية
تشير المادة (91/أولًا) من الدستور، إلى أن “مجلس القضاء الأعلى يتولى إدارة شؤون الهيئات القضائية”، وهو ما يمنحه صلاحيات واسعة في إدارة السلطة القضائية، لكن هذه الصلاحيات يجب أن تبقى ضمن الإطار الفني وليس السياسي. كما أن اختيار رئيس مجلس القضاء الأعلى يتم بموجب آلية يشارك فيها البرلمان، ما يُفترض أن يُرتّب دورًا رقابيًا غير مباشر من قبل السلطة التشريعية، وفقًا لأحكام المادة (61) الخاصة باختصاصات مجلس النواب، بما في ذلك الرقابة على أداء المؤسسات الاتحادية.
لكن غياب تفعيل هذا الدور الرقابي، وامتناع مجلس النواب عن مساءلة المؤسسة القضائية، الامر الذي أدى إلى تغوّل المجلس وتحوله إلى كيان فوق الرقابة، يتّخذ قرارات ذات أثر سياسي مباشر دون خضوع لأي مراجعة قانونية أو مؤسسية.
توسّع في التفسير القضائي للعمل السياسي
مثّل قرار المحكمة الاتحادية العليا المتعلقة بتفسير “الكتلة الأكبر” (في 25 آذار/مارس 2010) نقطة تحوّل مفصلية في دور القضاء داخل النظام السياسي. فرغم أن المادة (76) من الدستور تحدد تكليف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا لتشكيل الحكومة، إلا أن تفسير المحكمة جعل من “الكتلة الأكبر” مفهومًا مفتوحًا لما بعد الانتخابات، ما فتح الباب أمام تشكيلات وتحالفات ما بعد التصويت، وبالتالي منح القضاء سلطة التأثير المباشر على خارطة تشكيل الحكومة.
كما ان العديد من قرارات المحكمة استخدمت كاداة لإيقاف أو تعطيل تشريعات مهمة كان قد أقرّها البرلمان، من دون وجود آلية استئناف فعّالة، وهو ما يخالف نص وروح المادة (13/ثانيًا) التي تنص على أن “لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويُعد باطلاً كل نصٍ قانوني يتعارض معه”.
استخدام انتقائي للأدوات القضائية
المادة (19/أولًا) من الدستور تنص، على أن “القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون”، وهي قاعدة يفترض أن تكفل العدالة وتمنع التسييس. لكن الواقع العملي يشير إلى أن القضاء العراقي بات يُوظف أحيانًا كأداة سياسية، عبر تحريك دعاوى ضد شخصيات معارضة أو إعلامية، أو من خلال تجاهل او غلق ملفات فساد ضد شخصيات نافذة.
ومما يعزز هذه الصورة الانتقائية هو ضعف الشفافية في أداء السلطة القضائية، وعدم الإفصاح عن الأسس التي تُعتمد في اختيار القضايا أو تسريع البت فيها، ما أدى إلى زعزعة الثقة المجتمعية بالقضاء كجهة محايدة، وكسر لمبدأ “المساواة أمام القانون” المنصوص عليه في المادة (14).
تغييب دور الادعاء العام عن قصد
تعدّ المادة (1) من قانون الادعاء العام رقم (49) لسنة 2017 المعدّل، أن “الادعاء العام جهاز قضائي يتولى حماية نظام الدولة ومصالح المجتمع”، كما تخوله المادة (5) التدخل في جميع الدعاوى العامة لضمان سلامة الإجراءات. لكن رغم هذه الصلاحيات، فإن دور الادعاء العام تراجع بشكل ملحوظ، حيث غاب عن كبرى القضايا المرتبطة بالفساد المالي، والانتهاكات الإدارية، والنزاعات الدستورية، وهو ما أتاح لمجلس القضاء الأعلى العمل دون رقابة داخلية فاعلة، وساهم في تعزيز موقعه كسلطة مهيمنة.
غياب التوازن المؤسساتي
الدستور العراقي كان واضحا عندما اعتمد نظام التوازن والرقابة المتبادلة بين السلطات، حيث تشير المادة (58) والمادة (61/ثامنًا) إلى دور مجلس النواب في الرقابة على السلطة التنفيذية، لكن لم يتم توفير أدوات فعالة لمساءلة السلطة القضائية، ما خلق فراغًا دستوريًا استغلته المؤسسة القضائية لتعزيز نفوذها. وفي ظل تراجع أداء السلطتين التشريعية والتنفيذية، وغياب المحكمة الدستورية العليا بصيغتها الدستورية (وفق المادة 92/ثانيًا، التي تنص على تشريع قانون خاص بها)، بقيت المؤسسة القضائية خارج أي تقويم مؤسسي فعلي.
صلاحيات مقلقة على النظام الديمقراطي
استمرار اتساع صلاحيات مجلس القضاء الاعلى وتصرفه وكأنه سلطة فوق السلطات ودون رقابة فعلية يهدد بإعادة تعريف النظام السياسي العراقي. فمن جهة، يتراجع دور البرلمان في التشريع والرقابة، ومن جهة أخرى، تتقلص صلاحيات الحكومة في التنفيذ، ليُترك القرار النهائي لمؤسسة قضائية لا تخضع للمساءلة السياسية و لايوجد رقيب عليها، الامر الذي سيؤدي إلى ديمقراطية شكلية تُفرغ مبدأ السيادة الشعبية من مضمونه.
كما أن الخوف من القرارات القضائية، أو التهديد بالملاحقة القانونية، أصبح أداة فعالة لإسكات الأصوات المعارضة، ما يؤثر سلبًا على حرية التعبير المكفولة بموجب المادة (38)، ويخلق بيئة سياسية هشّة قائمة على الترهيب القانوني لا على التعددية والحوار.
الحاجة إلى إصلاحات دستورية وتشريعية
في ضوء هذا المشهد، وبعد مرور عشرين عام على تمرير الدستور العراقي، تبدو الحاجة ملحّة لإجراء إصلاحات عميقة، تبدأ بتفعيل الرقابة البرلمانية على السلطة القضائية عبر آليات مساءلة شفافة ومنضبطة، وتشمل إعادة النظر في قانون المحكمة الاتحادية بما يضمن استقلالها الحقيقي ويحد من سلطتها التفسيرية المطلقة.
كما يجب تفعيل دور الادعاء العام كسلطة رقابية مستقلة، وتطوير قواعد العمل القضائي لمنع التسييس والتوظيف الانتقائي، إلى جانب تعديل قانون مجلس القضاء الأعلى لضمان خضوعه للمساءلة المؤسسية، بما يتسق مع مبدأ “سيادة القانون” المنصوص عليه في المادة (5) من الدستور، باعتبار أن الدولة تُدار وفقًا للقانون، لا بالأوامر القضائية المطلقة.





