
تحذيرات مصرفية: شحّ الدولار يهدد الاستيراد ويرفع كلف المعيشة في العراق
المستقلة/- أفادت تقارير ومصادر مالية تحدثت لـ“المستقلة” عن تصاعد وتيرة القلق داخل الأوساط المالية والاقتصادية في العراق، مع تزايد الحديث عن احتمال تراجع قدرة الحكومة والبنك المركزي العراقي على تأمين الدولار خلال الفترة المقبلة، في ظل تعقيدات إقليمية ودولية متسارعة، أبرزها التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وتشديد إجراءات الرقابة على مسارات التحويلات المالية.
ويعتمد العراق بشكل شبه كامل على عائدات النفط المودعة بالدولار في حسابات خارجية، فيما تخضع حركة هذه الأموال وآليات تحويلها وتدقيقها لرقابة صارمة مرتبطة بقواعد الامتثال المالي، وهو ما يجعل ملف الدولار حساساً لأي تشديد إضافي أو ارتباك في قنوات التحويل. وتقول مصادر مصرفية إن الضغوط المتصاعدة تتصل بمخاوف من تسرب الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات، إضافة إلى تزايد متطلبات التدقيق على التحويلات وتمويل التجارة الخارجية.
وبحسب المصادر، بدأت تظهر في السوق مؤشرات مقلقة، من بينها صعوبة حصول بعض المصارف على الدولار لتغطية احتياجات التجار، وارتفاع الاعتماد على السوق غير الرسمية للحصول على العملة، مع مخاوف من اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق إذا استمر الشح أو تباطأت عمليات التحويل. وتضيف المصادر أن أي خلل ممتد في تدفق الدولار قد ينعكس سريعاً على أسعار السلع المستوردة وكلفة الاستيراد، ويضغط على الاستقرار النقدي والقدرة الشرائية، وصولاً إلى تأثيرات محتملة على الإنفاق العام في حال تصاعدت الضغوط الاقتصادية.
وفي تقدير اقتصادي متداول، فإن المرحلة المقبلة قد تتجه إلى ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول استمرار الضغوط، بما قد يدفع إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية وزيادة مستويات التضخم واضطراب سلاسل الاستيراد. المسار الثاني نجاح تفاهمات فنية مع الجهات الرقابية الخارجية بما يخفف القيود ويحافظ على تدفق التحويلات، وهو ما قد ينعكس استقراراً نسبياً في سعر الصرف وتمويل التجارة. أما المسار الثالث فيتعلق بحلول جزئية تسعى إلى تقليل الاعتماد على الدولار في بعض التعاملات، وتوسيع استخدام عملات بديلة أو آليات تسوية تجارية مع دول الجوار، مع بقاء الدولار محوراً رئيسياً للاقتصاد العراقي.
وترى مصادر مصرفية أن جوهر المشكلة لا يقتصر على “قلة الدولار”، بل يرتبط ببنية اقتصادية ريعية تعتمد على النفط، ونظام مصرفي يواجه تحديات في الامتثال وربط أنظمته بالمعايير الدولية، إضافة إلى اعتماد واسع على الدولار في معظم الأنشطة التجارية، وضعف متراكم في الرقابة على مسارات تمويل التجارة خلال سنوات سابقة. وتشير إلى أن أي معالجة جادة تتطلب تقليص الثغرات التي تزيد المخاطر وتدفع إلى تشديد التدقيق الخارجي.
وبشأن الحلول، تقول أوساط مالية إن الإجراءات العاجلة يجب أن تركز على دعم القنوات الرسمية للتحويل وتمويل التجارة، وتقليل مساحة السوق غير الرسمية عبر رقابة أكثر فاعلية، وضمان وصول الدولار إلى التجار عبر المصارف الملتزمة بالمعايير. وعلى المدى المتوسط، تُطرح الحاجة إلى تعزيز الشفافية في بيع الدولار عبر المنصات المعتمدة، وتشديد الرقابة على الجهات المتهمة بتهريب العملة أو التلاعب بالفواتير، إلى جانب تطوير التواصل الفني مع الجهات الرقابية الخارجية لتقليل التعقيدات دون المساس بمتطلبات الامتثال.
أما على المدى الاستراتيجي، فتؤكد قراءات اقتصادية أن تقليل هشاشة ملف الدولار يمر عبر تنويع مصادر الدخل وتوسيع الإنتاج المحلي وخفض الاعتماد على الاستيراد، إضافة إلى تطوير القطاع المصرفي وربطه بصورة أعمق بالنظام المالي العالمي، وفتح مساحة مدروسة لاستخدام عملات أخرى في بعض التعاملات التجارية بما يخفف الضغط عن الدولار، دون الإخلال باستقرار السوق.
وتخلص المصادر إلى أن أي تأخر في الإصلاحات قد يترك السوق عرضة لتقلبات حادة، فيما قد تمنح المعالجات المؤسسية العراق فرصة لتخفيف حساسية الدولار وتقليل أثر التوترات الإقليمية على الاستقرار المالي الداخلي.





