باقر جبر الزبيدي: إضراب التجار ينذر بأزمة اقتصادية خانقة

المستقلة/- حذّر السياسي والوزير السابق باقر جبر الزبيدي، في منشور عبر حسابه على فيسبوك، من بوادر أزمة اقتصادية خانقة تلوح في الأفق، مع انطلاق إضراب التجار اليوم، بالتزامن مع بداية شهر رمضان، مؤكداً أن هذا الإضراب ستكون له تأثيرات مباشرة وكبيرة على حياة العراقيين والأسواق.

وأشار الزبيدي إلى أن ثبات أسعار النفط خلال الفترة الماضية لم ينعكس على واقع الاقتصاد العراقي، رغم أن العراق يُعد من أهم الدول النفطية في المنطقة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الأزمة الراهنة لا تتحمل الحكومة الحالية وحدها مسؤوليتها، لأنها نتاج تراكمات طويلة.

وأوضح أن ما يشهده العراق اليوم من ضغوط اقتصادية هو نتيجة سياسات اقتصادية خاطئة استمرت لعقود، بدأت بالحروب التي حوّلت العراق من دولة دائنة عام 1980 تمتلك أكثر من 35 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية، إلى دولة مدينة بلغت ديونها نحو 80 مليار دولار في عام 1990، ثم استمر الهدر المالي لتصل ديون العراق عام 2003 إلى قرابة 120 مليار دولار، يضاف إليها ملف تعويضات الكويت البالغ 52.4 مليار دولار.

وبيّن الزبيدي أن مرحلة ما بعد عام 2003 كانت الأخطر اقتصادياً، بعد أن نخر الفساد مفاصل الدولة كافة، وظهور مكاتب وشبكات اقتصادية داخل المؤسسات الحكومية هدفها تحقيق الأرباح على حساب المصلحة العامة، ما أدى – بحسب وصفه – إلى تصاهر السياسة بالمال، ووضع العراق ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم.

ودعا الزبيدي إلى إطلاق خطة إصلاح اقتصادي شاملة تمتد من جنوب العراق إلى شماله ومن شرقه إلى غربه، تشرف عليها هيئة من كبار رجال الاقتصاد وبمشاركة مستشارين أجانب، على أن تتولى إعادة التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، بهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار ومستويات الأسعار، وتقليل معدلات التضخم.

وفي مقارنة بالمرحلة الحالية، أكد الزبيدي أن الظرف الراهن صعب، لكنه لا يُقارن بالأزمة المالية العالمية عام 2009، حينما كان يتولى حقيبة وزارة المالية، ولا بمرحلة انهيار أسعار النفط إلى نحو 30 دولاراً للبرميل، مشيراً إلى أن اعتماد سياسة مالية ونقدية صحيحة آنذاك وتشكيل فريق من الخبراء المتخصصين أسهما في خفض التضخم من 66% إلى 4%، وهي – بحسب قوله – أكبر نسبة تحققت في تاريخ العراق الحديث.

تحليل الوضع الاقتصادي في العراق في الوقت الحالي

بالتوازي مع تحذيرات الزبيدي، يكشف إضراب التجار عن مشكلة أعمق في بنية السوق العراقية، تتمثل في اختلال العلاقة بين السياسة الاقتصادية وواقع النشاط التجاري.

فعلى المستوى الكلي، لا يعاني العراق اليوم من نقص في الإيرادات أو أزمة مالية شاملة، في ظل استمرار تصدير النفط وتوفر موارد كافية لتغطية الرواتب والإنفاق العام. إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في طريقة إدارة السوق، والسياسة النقدية والكمركية، وآليات الاستيراد والتحويل الخارجي.

إضراب التجار يعكس ثلاثة اختناقات رئيسية في الاقتصاد الحالي:

أولاً، ارتفاع كلف الاستيراد والرسوم والقيود الإجرائية، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار عدد كبير من السلع في الأسواق، خصوصاً مع حلول شهر رمضان.

ثانياً، استمرار الاضطراب في ملف الدولار والتحويلات الخارجية، نتيجة تشدد إجراءات الامتثال على المصارف وشركات الدفع، الأمر الذي أضعف قدرة التجار على تمويل الاستيراد بشكل سلس، وأدخل السوق في حالة من القلق وعدم اليقين.

ثالثاً، تراجع القدرة الشرائية للمواطن، بسبب ثبات الدخول مقابل ارتفاع تدريجي في الأسعار، ما أدى إلى ركود واضح في حركة البيع والشراء.

اقتصادياً، يمكن توصيف الوضع الحالي في العراق بأنه حالة “استقرار هش”، وليس تعافياً فعلياً. فالدولة قادرة على الإيفاء بالتزاماتها، لكنها غير قادرة حتى الآن على خلق بيئة اقتصادية مستقرة للتاجر والمستثمر.

كما أن استمرار اعتماد الموازنة بشكل شبه كامل على النفط يجعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية لأي صدمة في أسعار الخام أو أي تطور خارجي في ملف التحويلات والعلاقات المالية.

الأخطر في المرحلة الحالية، أن إضراب التجار يمثل مؤشراً مبكراً على انتقال الأزمة من مستوى الأرقام والمؤشرات إلى مستوى الشارع والسوق، وهو ما يعني أن أي تأخير في معالجة ملفات الرسوم الكمركية، والتحويلات، وإصلاح القطاع المصرفي، قد يدفع الاقتصاد إلى موجة ركود أوسع خلال الأشهر المقبلة.

وخلاصة المشهد، أن تحذير باقر جبر الزبيدي يلتقي مع واقع السوق اليوم:

العراق لا يعيش أزمة مالية بالمعنى التقليدي، لكنه يقف أمام أزمة إدارة اقتصادية عميقة، وإذا لم تُقابل بخطة إصلاح حقيقية، فإن “إضراب التجار” قد لا يكون سوى بداية لسلسلة ضغوط اقتصادية أوسع في المرحلة القادمة.

Screenshot
زر الذهاب إلى الأعلى