
ايهما اولى: تطبيق المادة ٦٤ ام اقالة الحكومة؟
محمد عبد الجبار الشبوط
ثمة دعوتان في المسرح العراقي، احداهما تدعو الى حل البرلمان بموجب المادة ٦٤ من الدستور، وجوهرها حل البرلمان، ثم تتحول الحكومة الى حكومة تصريف اعمال واجراء انتخابات جديدة خلال ٦٠ يوما، على ان تجري الانتخابات بطريقة الانتخاب الفردي. والدعوة الثانية تستند الى المادة ٦١ ثامنا/ب وجوهرها اقالة الحكومة الحالية، ثم تشكيل حكومة مؤقتة.
والفرق بين الدعوتين من الناحية الدستورية ان الاولى دستورية بكل خطواتها، بينما الثانية غير دستورية باهم فقراتها وهي تشكيل الحكومة المؤقتة.
اما الفرق من الناحية الجوهرية، فهو ان الدعوة الاولى تحقق الاصلاح الشامل عبر التغيير الكامل للطبقة السياسية بينما تحافظ الدعوة الثانية على الطبقة السياسية وتكتفي بتغيير جزئي لا يحقق الاصلاح المنشود.
تنطلق الدعوة الاولى من فرضية تقول ان الطبقة السياسية هي جزء من المشكلة، او ربما هي المشكلة، كما ترى شريحة كبيرة من المواطنين، ولهذا فلا يمكن ان تكون جزءاً من الحل، او لا يتوقع ان يكون عندها الحل.
والسبب في ذلك ان هذه الطبقة عبارة عن اقطاعيات سياسية، طائفية وعرقية وحزبية، تكونت بفعل الانتخاب بالقائمة والمحاصصة وغيرها من عيوب التاسيس التي رافقت العملية السياسية منذ تشكيل مجلس الحكم الى الان.
ولهذا، فان اي اصلاح شامل او تغيير جذري للوضع الراهن لابد ان يمر عبر تفكيك هذه الاقطاعيات السياسية من خلال تطبيق المادة ٦٤، اي حل مجلس النواب، واستبدالها بطبقة سياسية جديدة اقرب الى تمثيل الشعب من خلال الانتخاب الفردي. ومن ثم تشكيل حكومة وطنية على الاسس الديمقراطية السليمة (اي حكومة الاغلبية السياسية البرلمانية مقابل المعارضة السياسية البرلمانية). وبهذه الطريقة لا معنى للمقارنة بين الانتخاب بالقائمة والانتخاب الفردي، لان القائمة تحافظ على الاقطاعيات السياسية، وهذه من اخطر سلبياتها الكثيرة، في حين ان الانتخاب الفردي يفكك الاقطاعيات السياسية، وهذه من بين حسناته الكثيرة. وهذا هو المطلوب في المرحلة الراهنة.
تنطلق الدعوة الثانية من فرضية زائفة وهي ان الحكومة الحالية هي سبب المشاكل التي يعاني منها العراق. وهذه مغالطة. لان الطبقة السياسية باحزابها وبرلمانها وحكومتها هي سبب المشاكل. اما الحكومة الحالية فلم يمضِ على وجودها سوى سنة واحدة، وهي تتحمل فعلا المسؤولية عن هذه السنة، لكن ما هي علاقتها بالفشل في السنوات الماضية؟! الواقع ان كسر الجرة برأس الحكومة الحالية انما هو تبسيط للامر وتهرب من المسؤولية التي يتحملها رمزيا ١٢ رجل هم رؤساء الكتل السياسية المتحكمة بالمشهد السياسي العراقي.
وحتى اذا تجاوزنا عن دستورية “الحكومة المؤقتة” فكيف يمكن الاطمئنان الى ان الطبقة السياسية التي تسببت بكل مساويء المرحلة الماضية سوف تكون امينة وصالحة في تشكيل حكومتها المؤقتة الان؟! من يضمن انها سوف تشكل حكومة بعيدة عن الانتماء والولاء والمحاصصة والمصالح غير الوطنية؟ اليس مشروع قانون الانتخاب الذي قدمته هذه الطبقة دليلا على عدم قدرتها، او عدم استعدادها، لتجاوز قصورها السياسي والمعرفي، ومصالحها الذاتية الضيقة؟!
فضلا عن هذا، فان تجربة السنوات الماضية اكدت ان الطبقة السياسية لا تملك تصورا لبناء الدولة الحضارية الحديثة، وهو المطلب الاعلى الذي تسعى اليه الشعوب سواء بصورة مباشرة ام غير مباشرة، بصورة صريحة او بصورة ضمنية. ولهذا لا نتصور ان يكون اي حل يخرج من رحم هذه الطبقة من الممكن ان يكون في سياق جهد يؤدي الى بناء الدولة العراقية بناء حضاريا حديثا بما في ذلك، بل فوق ذلك، تأمين حياة كريمة بمستوى يليق بالانسان.





