
القطاع المصرفي العراقي عند مفترق طرق… إما الإصلاح أو الاندماج القسري
المستقلة/- يقف القطاع المصرفي العراقي في عام 2026 أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامحه بالكامل، في ظل ضغوط داخلية متراكمة وتحديات خارجية متصاعدة تتعلق بالامتثال الدولي وحركة الدولار والعلاقة مع النظام المالي العالمي. وبين حديث عن إصلاحات هيكلية وخيارات أكثر صرامة قد تشمل الدمج أو الإغلاق، تبدو خريطة المصارف في العراق مرشحة لتغييرات عميقة تتجاوز الطابع التقني إلى أبعاد اقتصادية وسياسية أوسع.
يضم العراق أكثر من 75 مصرفاً بين حكومي وخاص وأجنبي، إلا أن النشاط الفعلي يتركز في عدد محدود منها، فيما تستحوذ المصارف الحكومية على النسبة الأكبر من الودائع والتعاملات المرتبطة برواتب الدولة والإنفاق العام. في المقابل، تواجه المصارف الأهلية تحديات متزايدة تتعلق بالسيولة والامتثال ومتطلبات التحويل الخارجي، خصوصاً بعد تشديد إجراءات الرقابة على حركة الدولار خلال السنوات الأخيرة.
مصادر مالية تشير إلى أن البنك المركزي العراقي يدرس مسارات متعددة لإعادة تنظيم القطاع، تتراوح بين تشديد معايير الملاءة والامتثال، وفرض اندماجات بين مصارف صغيرة وضعيفة، وصولاً إلى احتمال سحب إجازات من مؤسسات غير قادرة على التكيّف مع المعايير الجديدة. هذه الخطوات، إن مضت قدماً، تعني عملياً الانتقال من مرحلة “الإصلاح التدريجي” إلى إعادة هيكلة أكثر عمقاً قد تُفرض بفعل الواقع.
يبقى سعر الصرف في قلب هذه المعادلة. فالفجوة التي شهدتها السوق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية خلال السنوات الماضية وضعت السياسة النقدية أمام اختبار صعب، خصوصاً مع اعتماد الاقتصاد العراقي شبه الكامل على عائدات النفط المقومة بالدولار. وأي اضطراب في تدفق العملة الصعبة أو في آلية التحويل الخارجي ينعكس فوراً على الاستيراد والأسعار وثقة السوق.
كما أن مستقبل نافذة بيع العملة الأجنبية يظل أحد أكثر الملفات حساسية. فهذه الآلية، التي شكّلت لسنوات أداة رئيسية لتغذية السوق بالدولار، باتت تخضع لإجراءات تدقيق مشددة، وسط حديث عن إعادة تنظيمها بما يتماشى مع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. إعادة هيكلة هذه النافذة تعني عملياً تغيير طريقة عمل المصارف الخاصة وشبكات التحويل والتجارة الخارجية.
التحدي الأكبر لا يقتصر على الجوانب التنظيمية، بل يمتد إلى أزمة الثقة. فشريحة واسعة من العراقيين ما تزال تفضّل الاحتفاظ بالنقد خارج النظام المصرفي، نتيجة تجارب سابقة وقيود على السحب وضعف الخدمات الرقمية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن جزءاً كبيراً من الكتلة النقدية المتداولة لا يمر عبر القنوات المصرفية، ما يحدّ من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة بكفاءة.
وفي الخلفية، يبرز عامل الربط مع النظام المالي العالمي كاختبار حاسم. فإعادة دمج المصارف العراقية بشكل كامل في الشبكات المصرفية الدولية تتطلب معايير شفافية صارمة، وتحديث أنظمة الامتثال، وإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية العالمية. دون ذلك، سيبقى القطاع عرضة للقيود والعقوبات أو العزلة الجزئية.
بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن العراق أمام خيارين لا ثالث لهما: إما المضي بإصلاحات تدريجية تعيد هيكلة القطاع بهدوء وتستعيد الثقة تدريجياً، أو مواجهة سيناريو اندماجات وإجراءات قسرية تفرضها الضغوط المالية والتنظيمية. وفي كلتا الحالتين، فإن العام الحالي قد يمثل نقطة تحول في تاريخ النظام المصرفي العراقي، حيث لم يعد السؤال هل سيحدث التغيير، بل كيف ومتى وبأي كلفة.





