
القطاع المصرفي العراقي أمام اختبار وجودي بين التشديد المحلي والرقابة الدولية
المستقلة / تقرير/- يدخل القطاع المصرفي العراقي مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية وتعقيداً منذ عام 2003، وسط تراكُم أزمات داخلية طويلة، وتزايد التدقيق الدولي على حركة الأموال، وضغوط متصاعدة على البنك المركزي العراقي لإعادة ترتيب المنظومة المصرفية بما يتوافق مع معايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبحسب معلومات حصلت عليها «المستقلة» من مصادر مطلعة داخل القطاع المالي، فإن التطورات الجارية لا تشبه المراحل السابقة، ليس فقط بسبب تعدد الملفات المفتوحة، بل لأن هامش المناورة تقلص مع تشديد اشتراطات التعاملات الخارجية، وارتفاع حساسية المصارف المراسلة والمؤسسات الدولية تجاه أي ثغرات في الامتثال.
عقوبات تترك أثراً يتجاوز المصارف
خلال الأشهر الماضية، واجهت مصارف عراقية إجراءات عقابية على خلفية ملاحظات تتعلق بآليات التحويل الخارجي والالتزام بمتطلبات الامتثال. ووفق المصادر، لم تكن هذه الإجراءات “شكلية”، إذ انعكست سريعاً على قدرة بعض المصارف في تنفيذ وظائفها الأساسية المرتبطة بالتجارة والتحويلات.
وتقول المصادر إن أثر العقوبات ظهر في تقييد أو تعطل قنوات التحويل الخارجي لبعض الجهات، وارتباك علاقات مصرفية مع أطراف خارجية، وتراجع مستوى الثقة لدى شركاء دوليين يتعاملون بحذر متزايد مع السوق العراقية. ونتيجة لذلك، وجدت مصارف نفسها في وضع تشغيلي صعب، يهدد نمط أعمالها التقليدي ويضعها تحت ضغط تصحيحي متسارع.
تشدد رقابي غير مسبوق من البنك المركزي
بالتوازي مع الضغوط الخارجية، وسّع البنك المركزي العراقي من أدواته الرقابية، وفق ما تصفه مصادر مصرفية بأنه “الأعلى مستوى” منذ تأسيس النظام المصرفي الجديد بعد 2003. وتشير المصادر إلى أن إجراءات التدقيق اتجهت نحو مراجعة أنظمة الامتثال، وتدقيق مصادر الأموال والتحويلات، وفحص الأنظمة الإلكترونية وإدارة المخاطر، فضلاً عن تقييم أدوار الإدارة العليا في بعض المصارف.
وتضيف المصادر أن البنك المركزي بات يركز على الفجوة بين “الامتثال الورقي” وبين الامتثال الفعلي في العمليات اليومية، خصوصاً في الملفات ذات الصلة بحركة الأموال خارج البلاد، وهي النقطة التي تُعد معياراً حاسماً في تقييم المؤسسات المالية لدى الأطراف الدولية.
“خارج الخدمة” رغم استمرار التراخيص
وبحسب المعلومات المتاحة، فإن عدداً من المصارف بات عملياً خارج الخدمة الفعلية، سواء نتيجة تقييد الوصول إلى قنوات العملة والتحويلات، أو بسبب تعثر الحفاظ على علاقات مستقرة مع مصارف مراسلة، أو نتيجة العجز عن تلبية متطلبات الامتثال المحدثة.
وتشير المصادر إلى أن بعض هذه المصارف ما زال يمتلك ترخيصاً رسمياً، لكنه لا يقدم خدمات مصرفية “بالوتيرة الطبيعية”، ما خلق حالة تفاوت كبيرة داخل السوق بين مؤسسات قادرة على الاستمرار وأخرى تعمل بقدرات محدودة وتحت قيود تشغيلية متزايدة.
إشارات ضغط سيولة داخل مؤسسات محددة
وتؤكد مصادر «المستقلة» أن السوق شهد مؤشرات ضعف داخل عدد من المصارف، أبرزها تحديات مرتبطة بتلبية بعض التزامات الزبائن، لا سيما ما يتصل بالسحوبات الكبيرة، والتزامات الشركات، وتمويل العمليات التجارية.
ورغم عدم وجود إعلان رسمي عن أزمة سيولة شاملة، إلا أن المصادر ترى أن استمرار الضغوط التشغيلية على المصارف الصغيرة والمتوسطة قد يفاقم هشاشتها المالية، خصوصاً مع تراجع مصادر الدخل السريعة التي كانت تعتمد عليها بعض المؤسسات خلال السنوات الماضية.
هل يتجه العراق لتقليص عدد المصارف؟
أكثر الملفات حساسية في هذه المرحلة هو الحديث المتزايد عن توجه لإعادة هيكلة السوق المصرفية وتقليص عدد المصارف العاملة. ووفق معلومات خاصة، يدرس البنك المركزي سيناريو “قطاع أصغر عدداً وأكثر قدرة”، عبر دمج بعض المصارف، أو سحب تراخيص غير القادرة على الامتثال، أو إخراج مؤسسات من السوق تدريجياً.
وتلفت المصادر إلى أن الهدف المعلن من هذا التوجه هو تقوية القطاع ورفع مستوى الثقة، لكن نجاحه يعتمد على آليات التنفيذ، وكيفية حماية المودعين، وضمان عدم حدوث فراغ في الخدمات المصرفية، خصوصاً في المحافظات والأسواق التي تعتمد على شبكة واسعة من المصارف الأهلية.
إصلاحات بإشراف استشاري خارجي
ضمن مسار الإصلاح، قدمت مصارف عراقية خطط إعادة هيكلة ضمن برنامج يقوده البنك المركزي وبإشراف شركة استشارية أميركية متخصصة بإصلاح الأنظمة المصرفية، وفق المصادر. وتتضمن هذه الخطط إعادة تنظيم الحوكمة، ومعالجة مخاطر الامتثال، وتحديث أنظمة التحويل، وفصل الأنشطة الأعلى خطراً.
لكن المصادر تؤكد أن عدداً من المصارف لم يستكمل متطلبات “التصحيح”، أو لم يقدّم خططاً مكتملة، وهو ما يضعه في دائرة إجراءات أكثر صرامة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا اعتُبرت هذه المؤسسات غير قادرة على اللحاق بمتطلبات الرقابة الجديدة.
رقابة دولية لا تقتصر على المصارف
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الرقابة الدولية لا تتركز على المصارف وحدها، بل تمتد إلى البنك المركزي العراقي نفسه، من حيث تقييم مستوى التزامه بالمعايير الدولية، وفاعلية أدواته الرقابية، وقدرته على ضبط التحويلات الخارجية وتقليل المخاطر المرتبطة باستخدام النظام المصرفي في عمليات عالية الحساسية.
وتصف المصادر هذه المرحلة بأنها “مرحلة اختبار” لصلابة الإطار الرقابي، لأن أي ثغرة في ضبط النظام لا تنعكس محلياً فقط، بل قد تؤثر على علاقة العراق بالشبكات المالية الخارجية، وعلى قدرة مصارفه على العمل عبر القنوات الدولية بصورة طبيعية.
جذور الأزمة: نموذج قديم يصطدم ببيئة جديدة
يرى متابعون أن ما يمر به القطاع اليوم ليس أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات طويلة، أبرزها ضعف الحوكمة في عدد من المصارف، واعتماد بعضها على مصادر دخل ضيقة مرتبطة بقنوات محددة، وتأخر الاستثمار في الأنظمة التقنية والامتثال، إضافة إلى توسع سابق في منح التراخيص دون بناء قدرات مصرفية متينة، وهشاشة العلاقات مع المصارف المراسلة.
ومع تغير البيئة الدولية للتعاملات المالية، لم يعد هذا النموذج قابلاً للاستمرار بالمرونة نفسها، خاصة مع ارتفاع كلفة المخاطر بالنسبة للشركاء الخارجيين.
ما الأخطر في المرحلة المقبلة؟
وفق تقديرات المصادر، فإن الخطر لا يقتصر على تقييد مصرف هنا أو هناك، بل في احتمال تقلص القنوات المتاحة للتجارة الخارجية، وارتفاع كلفة التحويلات، وتشدد إضافي على الشركات والأفراد، بما قد يضغط على النشاط الاقتصادي ويزيد عبء العمليات المالية على السوق.
وتضيف المصادر أن الأشهر المقبلة قد تشهد تسريع إجراءات تصنيف المصارف وفرز القابلة للاستمرار من غير القادرة، مع قرارات دمج أو إيقاف نشاط لمؤسسات محددة، وتشديداً إضافياً على التحويلات الخارجية للأفراد والشركات، في ظل ضغط دولي مرشح للتصاعد ما لم تُثبت المنظومة المصرفية قدرتها على خفض المخاطر وتحسين الامتثال.





