
الفصائل في الحكومة.. ضوء أخضر أميركي أم صفقة سياسية؟
المستقلة/- دخلت العلاقات العراقية الأميركية مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والأمني، عقب استكمال حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي تشكيلتها الوزارية، ووصول شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة إلى مناصب رفيعة في السلطة التنفيذية، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية أميركية في بغداد وتصعيد اقتصادي تقوده واشنطن ضد شبكات مالية تتهمها بدعم إيران.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات تتجاوز حدود التعديل الحكومي، لتصل إلى طبيعة التفاهمات المحتملة بين بغداد وواشنطن، وما إذا كان صعود الفصائل إلى مواقع متقدمة في الدولة يمثل تحولاً في السياسة الأميركية تجاه القوى المسلحة، أم خطوة ضمن تسوية سياسية مشروطة بتقديم تنازلات في ملف السلاح والنفوذ الإيراني.
وجاء التصويت البرلماني في 15 تشرين الأول 2026، بعد أشهر من تعثر استكمال التشكيلة الحكومية، ليمنح رئيس الوزراء ثلاثة نواب ويملأ عدداً من الحقائب الوزارية الشاغرة والمستحدثة. ومن أبرز الأسماء التي نالت ثقة البرلمان ليث الخزعلي، الذي تولى منصب نائب رئيس الوزراء، رغم خضوعه لعقوبات أميركية سابقة.
ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية لكونه يأتي بعد زيارة المبعوث الأميركي توم باراك إلى بغداد، وسط نقاشات سياسية بشأن مستقبل سلاح الفصائل وإمكانية دمجها في مؤسسات الدولة، إلى جانب الضغوط الأميركية الرامية إلى تقليص قنوات النفوذ الإيراني داخل العراق.
غير أن الربط الزمني بين الزيارة والتصويت لا يكفي لإثبات وجود اتفاق مسبق أو موافقة أميركية على التعيينات. وحتى الآن، لا تتوافر أدلة علنية حاسمة تثبت أن واشنطن منحت ضوءاً أخضر للتشكيلة الجديدة، وهو ما يبقي فرضية المقايضة السياسية ضمن دائرة التحليل، لا الوقائع المؤكدة.
من السلاح إلى المناصب.. تسوية سياسية أم إعادة توزيع للنفوذ؟
تبدو المعادلة الجديدة أكثر تعقيداً من مجرد استكمال استحقاق دستوري، إذ إن انتقال شخصيات مرتبطة بجماعات مسلحة إلى مواقع قيادية في الحكومة يفتح نقاشاً بشأن العلاقة بين المشاركة السياسية والالتزامات الأمنية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة العراقية عن تقدم في ملف حصر السلاح بيد الدولة، يثير حصول قوى مرتبطة بالفصائل على مناصب تنفيذية تساؤلاً بشأن طبيعة الضمانات التي يمكن تقديمها لتنفيذ هذه التعهدات، خصوصاً في ظل تباين مواقف الجماعات المسلحة من تسليم أسلحتها أو إنهاء نشاطها العسكري المستقل.
ولا يمكن استبعاد أن تكون بعض الأطراف السياسية قد سعت إلى بناء تفاهم يقوم على توسيع مشاركة الفصائل في السلطة مقابل قبولها بإجراءات تدريجية لتنظيم السلاح، أو الحد من العمليات التي تستهدف المصالح الأميركية.
لكن نجاح مثل هذه الصيغة، إن كانت مطروحة بالفعل، يتوقف على قدرتها على تحقيق نتائج قابلة للتحقق، وليس على مجرد إعلان الالتزام السياسي.
وتبرز هنا مشكلة أساسية تتمثل في أن المشاركة الحكومية لا تعني بالضرورة انتقال القرار العسكري بالكامل إلى مؤسسات الدولة. كما أن استعداد فصيل معين للتفاوض لا يضمن التزام بقية الجماعات المسلحة، ولا سيما تلك التي تتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه الوجود والنفوذ الأميركيين في العراق.
عقوبات أميركية داخل التشكيلة الحكومية
تزداد حساسية المشهد مع تعيين ليث الخزعلي، شقيق الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي، نائباً لرئيس الوزراء.
فقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية الشقيقين على قوائم العقوبات في السادس من كانون الأول 2019، بموجب الأمر التنفيذي 13818 المرتبط بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، واتهمتهما بالمشاركة في أنشطة عنيفة، بينها هجوم كربلاء عام 2007 الذي أسفر عن مقتل خمسة جنود أميركيين.
وهذه اتهامات واردة في وثائق رسمية أميركية، وليست أحكاماً قضائية عراقية يجري إثباتها في هذا التقرير.
وتضع هذه العقوبات الحكومة العراقية أمام إشكالية دبلوماسية تتعلق بكيفية إدارة العلاقات الرسمية مع واشنطن في ظل وجود مسؤولين خاضعين لقيود مالية أميركية.
غير أن العقوبات لا تعني تلقائياً حظر جميع أشكال الاتصال الدبلوماسي، إذ يعتمد نطاق القيود على الأساس القانوني للإدراج والتراخيص والاستثناءات المعمول بها.
وتكمن أهمية هذا الملف في أنه قد يتحول من خلاف يتعلق بأسماء المسؤولين إلى اختبار لمدى قدرة الحكومة على الفصل بين مسؤولياتها الدستورية والعلاقات التنظيمية السابقة لبعض أعضائها.
زيارة باراك.. رسائل إيجابية بلا ضمانات سياسية
قبل ثلاثة أيام من التصويت البرلماني، زار المبعوث الأميركي توم باراك بغداد، والتقى رئيس الوزراء علي الزيدي، إلى جانب مسؤولين عراقيين آخرين، بينهم رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان.
ووصف باراك لقاءه بالزيدي بأنه مثمر، مشيداً بالتعاون بين البلدين، ومؤكداً أهمية الاستقرار العراقي بالنسبة إلى المنطقة. كما تناولت لقاءاته ملفات العلاقات الثنائية والتعاون الأمني والاقتصادي والقضائي.
لكن هذه الرسائل الإيجابية لا تشكل بحد ذاتها موافقة أميركية على جميع الترتيبات السياسية الداخلية.
ومن الناحية التحليلية، يمكن قراءة الموقف الأميركي ضمن ثلاثة احتمالات: أن تكون واشنطن قد اطلعت مسبقاً على التشكيلة ولم تعترض عليها علناً، أو أنها اختارت تأجيل موقفها بانتظار اختبار أداء الحكومة، أو أن التعيينات مضت ضمن توافقات عراقية داخلية دون موافقة أميركية مسبقة.
ولا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأي من هذه الاحتمالات، غير أن تزامن المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية يجعل المرحلة المقبلة أكثر أهمية من التصويت نفسه.
عقوبات مصرفية تكشف استمرار الضغط الأميركي
في مقابل الانفتاح الدبلوماسي، اتخذت واشنطن خطوة اقتصادية لافتة في اليوم نفسه الذي استكملت فيه بغداد تشكيلتها الحكومية.
ففي 15 تشرين الأول، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على المصرف الدولي للتنمية والاستثمار والتمويل، ضمن عملية أطلقت عليها اسم «المنبوذ الاقتصادي»، مستهدفة شبكات تتهمها بتسهيل وصول إيران إلى الدولار الأميركي والالتفاف على العقوبات.
واتهمت الوزارة المصرف باستخدام رؤوس أموال إيرانية وتحويل أرباح بالدولار إلى إيران، فضلاً عن احتفاظه بعلاقات مع كيانات إيرانية وجماعات مسلحة عراقية موالية لطهران.
وفي المقابل، رفض المصرف الاتهامات الأميركية في بيان صدر في 16 تشرين الأول، مؤكداً استعداده للتعاون مع البنك المركزي العراقي ووزارة الخزانة الأميركية لتوضيح الحقائق عبر القنوات القانونية والرسمية، ومشدداً على حماية مصالح المودعين والعملاء.
ويكشف تزامن التصويت البرلماني مع العقوبات الأميركية عن مسارين متوازيين: انفتاح سياسي ودبلوماسي على الحكومة العراقية من جهة، واستمرار الضغط على الجهات التي تتهمها واشنطن بتسهيل النشاط المالي الإيراني من جهة أخرى.
ولا توجد أدلة كافية للقول إن العقوبات جاءت رداً مباشراً على التشكيلة الوزارية، لكن تزامنهما يسلط الضوء على طبيعة العلاقة التي قد تنتظر الحكومة الجديدة، حيث لا يمنع التعاون السياسي استمرار الإجراءات الاقتصادية والأمنية الأميركية.
الأموال الإيرانية وملف الفصائل.. اختبار يتجاوز نزع السلاح
ازدادت حساسية الملف بعد تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، بشأن قيام جماعات مسلحة في المنطقة، بينها فصائل عراقية، بتحويل أموال إلى الحرس الثوري الإيراني في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران.
ونقلت تقارير أميركية عن كوبر أن بعض الجماعات التي كانت تتلقى الدعم الإيراني أصبحت، وفق التقييم الأميركي، تقدم دعماً مالياً باتجاه معاكس.
وإذا ثبتت هذه التحويلات بالنسبة إلى جهات عراقية محددة، فإنها ستثير تحدياً إضافياً أمام بغداد، لأن معالجة ملف الفصائل لن تقتصر على تنظيم السلاح، بل قد تمتد إلى مصادر التمويل والعلاقات الاقتصادية العابرة للحدود.
ومع ذلك، ينبغي الفصل بين الاتهامات الأميركية المتعلقة بجماعات أو شبكات محددة، وبين المؤسسات العراقية بصورة عامة، وعدم اعتبارها دليلاً على تورط جميع الفصائل أو الجهات الحكومية.
هل تستطيع حكومة الزيدي تحقيق التوازن؟
أمام هذه التطورات، يجد رئيس الوزراء علي الزيدي نفسه في مواجهة اختبار سياسي يتطلب الموازنة بين أطراف داخلية تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً، وعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة تقوم على مصالح اقتصادية ومالية وأمنية واسعة.
فالحكومة تحتاج إلى دعم القوى السياسية التي شاركت في تشكيلها لضمان الاستقرار البرلماني، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات تتعلق بضبط السلاح وحماية الاستثمارات والالتزام بالمعايير المالية الدولية.
وتزداد صعوبة المهمة إذا تحولت المناصب الحكومية إلى أدوات لتثبيت النفوذ التنظيمي بدلاً من تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية.
أما واشنطن، فلا يبدو أن خياراتها محصورة بين قبول التشكيلة أو رفضها بصورة كاملة. إذ تستطيع الاستمرار في التعاون الرسمي مع بغداد، بالتزامن مع فرض عقوبات على أشخاص أو مؤسسات ترى أنهم يخالفون أنظمتها.
وعليه، فإن الاختبار الفعلي للعلاقات الثنائية قد يتمثل في قدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة في حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وتعزيز الرقابة على القطاع المالي، ومنع استهداف المصالح الأجنبية.
ثلاثة سيناريوهات أمام بغداد وواشنطن
يمكن أن تتجه العلاقة خلال المرحلة المقبلة نحو أحد ثلاثة مسارات رئيسية.
السيناريو الأول: تفاهم سياسي تدريجي. تستمر واشنطن في التعامل مع الحكومة الجديدة، مقابل خطوات عراقية يمكن التحقق منها في ملف السلاح والامتثال المالي وخفض التوتر. وقد يتيح ذلك للزيدي هامشاً أوسع لتثبيت الاستقرار الداخلي.
السيناريو الثاني: قبول دبلوماسي وضغط اقتصادي. تحافظ الولايات المتحدة على قنوات الاتصال مع بغداد، لكنها توسع الإجراءات المالية تجاه أفراد وكيانات محددة. وهذا المسار قد يسمح باستمرار التعاون الحكومي، لكنه يفرض تحديات على المؤسسات العراقية المرتبطة بالنظام المالي الدولي.
السيناريو الثالث: تصاعد الخلافات. تتراجع فرص التفاهم إذا استمرت أنشطة مسلحة خارج سلطة الدولة أو ظهرت اتهامات جديدة تتعلق بتمويل جهات خاضعة للعقوبات. وقد يؤدي ذلك إلى توتر سياسي واقتصادي أكبر، دون أن يعني بالضرورة قطيعة شاملة بين البلدين.
المرحلة المقبلة.. واشنطن تنتظر الأفعال وبغداد أمام امتحان السيادة
في المحصلة، لا يمكن اعتبار دخول شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة إلى الحكومة العراقية دليلاً مؤكداً على حصولها على موافقة أميركية، كما لا يمكن تفسير استمرار العقوبات على أنه قرار أميركي بمواجهة الحكومة الجديدة بالكامل.
فالمعطيات المتاحة تشير إلى مشهد تتداخل فيه الضرورات السياسية العراقية مع الحسابات الأمنية الأميركية والتنافس الإقليمي على النفوذ.
ووسط هذه المعادلة، يبقى السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت واشنطن قد وافقت على الأسماء، بل ما إذا كانت الحكومة قادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات فعلية تعزز سيادة القانون وتضع السلاح والقرار الأمني تحت سلطة الدولة.
وقد تكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت التعيينات الجديدة بداية تسوية تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل، أم أنها مجرد إعادة توزيع للمناصب تؤجل معالجة الملفات الأكثر تعقيداً.
وبينما تنتظر واشنطن نتائج ملموسة، تواجه بغداد اختباراً لا يتعلق فقط بعلاقتها مع الولايات المتحدة، بل بقدرتها على إدارة توازناتها الداخلية دون تعريض استقرارها السياسي والاقتصادي لمزيد من الضغوط.
أخبار قد تهمك
ثورة في المصانع.. روبوت بشري يعمل 20 ساعة يومياً بشحن لا يتجاوز 9 دقائق
واشنطن تضع إيران أمام خيارين.. اتفاق نووي أو ضربات عسكرية مدمرة
32 مصرفاً عراقياً تحت قيود الدولار.. هل تتوسع العقوبات الأميركية؟
البدراني يؤكد التزام وزارة الثقافة بصون التراث الثقافي غير المادي لمختلف مكونات المجتمع
“السترات الصفراء” تعود الى الشوارع.. والاحتجاجات تهز فرنسا
سجن صاحبة دار حضانة في الصين مدى الحياة بعد تسمم مئات الأطفال
خروج البابا ليو من المستشفى بعد جراحة لعلاج سرطان الرئة
محتجون يشتبكون مع الشرطة خلال مظاهرات عمت أرجاء فرنسا
بعد العقوبات الامريكية.. بنك التنمية: مستعدون للتعاون وتوضيح الحقائق
المتحدثة بأسم البيت الأبيض تترك منصبها بعد أقل من خمسة أيام على تسلمه
الخفاجي يكشف عن توجيهات حكومية بإيقاف وإلغاء إجراءات





