العراق يعيد ترتيب منظومته الأمنية والقانونية.. قوانين جديدة لتحديث الدولة

المستقلة/- تتجه المؤسسة التشريعية في العراق نحو مرحلة جديدة من تحديث القوانين المنظمة لعمل الدولة، مع استمرار لجان مجلس النواب بمناقشة مجموعة من التشريعات التي تمس قطاعات حساسة، في مقدمتها الخدمة والتقاعد لقوى الأمن الداخلي، إلى جانب قوانين رعاية القاصرين والكتاب العدول ورعاية الأحداث.

وتأتي هذه التحركات في وقت تزداد فيه الحاجة إلى مراجعة قوانين مضى على بعضها عقود طويلة، بهدف مواكبة التطورات الإدارية والاجتماعية والأمنية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية.

قانون الخدمة والتقاعد.. تنظيم جديد للمؤسسة الأمنية

يحظى مشروع قانون الخدمة والتقاعد لقوى الأمن الداخلي بأهمية خاصة، كونه يرتبط مباشرة بحقوق المنتسبين وآليات خدمتهم وإحالتهم على التقاعد وملفات العجز.

وبعد إتمام القراءة الأولى داخل مجلس النواب، تواصل لجنة الأمن والدفاع مناقشة تفاصيل القانون مع الجهات المعنية، تمهيداً للوصول إلى صيغة نهائية تحقق التوازن بين حقوق المنتسب ومتطلبات تطوير المؤسسة الأمنية.

ومن أبرز الملفات التي يعالجها المشروع تنظيم آليات الإحالة على التقاعد، بما يتيح للمنتسب الذي يمتلك خدمة فعلية لا تقل عن 15 عاماً إمكانية الإحالة عند بلوغ سن الأربعين وفق الضوابط القانونية، إضافة إلى معالجة أوضاع المصابين بالعجز ضمن المؤسسات الأمنية.

إعادة هيكلة العمل العسكري

لا يقتصر مشروع القانون على الجانب التقاعدي فقط، بل يرتبط أيضاً بتنظيم عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحسين آليات التدريب والاستقبال وإدارة الموارد البشرية.

ويرى مختصون أن وجود قانون حديث للخدمة والتقاعد يمكن أن يسهم في تحقيق استقرار أكبر داخل المؤسسة الأمنية، عبر وضوح الحقوق والواجبات، وتحسين التخطيط للقوى البشرية.

تشريعات جديدة لمواكبة المجتمع

بالتوازي مع ملف الأمن، تواصل اللجنة القانونية النيابية مراجعة عدد من التشريعات الأخرى، من بينها تعديل قانون الكتاب العدول، وتعديل قانون رعاية القاصرين، ومقترح قانون رعاية الأحداث.

هذه القوانين تمثل ملفات اجتماعية وقضائية مهمة، نظراً لارتباطها بشكل مباشر بحياة المواطنين وإجراءاتهم اليومية.

رعاية القاصرين.. حماية لفئات تحتاج إلى ضمانات أكبر

يعد تعديل قانون رعاية القاصرين من أبرز الملفات المطروحة، خصوصاً أن القانون النافذ يعود إلى عام 1980، ولم يعد ينسجم بشكل كامل مع التطورات القانونية والإدارية الحديثة.

ولا يقتصر القانون على الأيتام فقط، بل يشمل فئات متعددة مثل فاقدي أو ناقصي الأهلية والغائبين والمفقودين، إضافة إلى إدارة أموال المشمولين وحماية حقوقهم.

ويهدف التعديل المقترح إلى منح المؤسسات المختصة أدوات أكثر مرونة في إدارة هذه الملفات، وتعزيز الرقابة وتبسيط الإجراءات بما يضمن حماية أكبر للفئات المشمولة.

التحول الرقمي يدخل قطاع العدالة

أما تعديل قانون الكتاب العدول، فيأتي ضمن مسار تحديث الإدارة القانونية، من خلال إدخال التقنيات الحديثة والأرشفة الرقمية وتسهيل إجراءات تنظيم العقود والوكالات والتصديقات.

ويُنظر إلى التحول الرقمي في هذا المجال باعتباره خطوة مهمة للحد من التلاعب بالوثائق، وتقليل الروتين، وتسريع إنجاز معاملات المواطنين.

رعاية الأحداث.. من العقوبة إلى الإصلاح

يحمل مقترح قانون رعاية الأحداث توجهاً نحو تطوير السياسة الجنائية الخاصة بالأحداث، بالانتقال من التركيز على العقوبة إلى مفاهيم الإصلاح والتأهيل وإعادة الاندماج الاجتماعي.

ويرى خبراء قانونيون أن تحديث هذا التشريع يمثل ضرورة لمواكبة المعايير الحديثة في التعامل مع قضايا الأطفال والأحداث، مع الحفاظ على حماية المجتمع وضمان حقوق هذه الفئة.

تحديث القوانين.. اختبار التنفيذ

تمثل هذه الحزمة التشريعية محاولة لإعادة بناء جزء من المنظومة القانونية العراقية بما يتناسب مع واقع الدولة الحديثة، لكن التحدي الحقيقي يبقى في سرعة الإنجاز وجودة التطبيق بعد الإقرار.

فالقوانين لا تقاس فقط بنصوصها، بل بقدرة المؤسسات على تنفيذها وتحويلها إلى إجراءات عملية ترفع مستوى الخدمات وتحمي حقوق المواطنين.

العراق أمام فرصة لتحديث تشريعاته، لكن النجاح سيبقى مرتبطاً بقدرة البرلمان والحكومة على الانتقال من مرحلة تعديل القوانين إلى مرحلة إصلاح المؤسسات التي تعمل بها.

زر الذهاب إلى الأعلى