السؤال الصحفي… أداة رقابية بيد الإعلام المستقل

بقلم: إدارة وكالة الصحافة المستقلة/-

منذ تأسيس وكالة الصحافة المستقلة في 15/4/2008 ونحن نواكب أدق المراحل السياسية والأمنية والاجتماعية في العراق، نراقب أداء الحكومات المتعاقبة ومجلس النواب بدوراته المختلفة، ونتابع عمل مؤسسات الدولة العراقية بكل مهنية واستقلالية. وخلال هذه السنوات ترسّخ لدينا يقين راسخ بأن لا ديمقراطية حقيقية من دون رقابة حقيقية، ولا رقابة من دون سؤال شجاع وواضح ومهني. من هذا الفهم وُلدت فكرة “السؤال الصحفي” كأداة رقابية بيد الإعلام المستقل، تستلهم روح السؤال البرلماني الذي نظمه الدستور العراقي في المادة 61، لكنها تتوجه هذه المرة إلى المسؤول عبر بوابة الصحافة وباسم الرأي العام مباشرة، وبما ينسجم مع مبدأ حق الوصول إلى المعلومة بوصفه حقًا عالميًا وأحد أهم أدوات الشفافية ومنع إخفاء الحقائق.

من السؤال البرلماني إلى السؤال الصحفي
الدستور العراقي منح عضو مجلس النواب حق توجيه السؤال إلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء أو مسؤولي الهيئات والمؤسسات، شفهيًا عندما يكون المسؤول حاضرًا أو كتابيًا عبر كتاب رسمي، بوصف هذا السؤال أداة من أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية وتصحيح مسارها. غير أن الممارسة العملية أظهرت أن هذه الأداة الدستورية لا تُستخدم دائمًا بالقدر الكافي، وأنها قد تتعرض أحيانًا للتسييس أو تُحاصر بتسويات سياسية أو تضعف فاعليتها بسبب غياب المتابعة. في هذا الفراغ تتقدم الصحافة المستقلة لتقول إن حق السؤال لا ينبغي أن يبقى حكرًا على قبة البرلمان، وإن الإعلام المهني قادر على أن يكون شريكًا في الرقابة من خلال سؤال صحفي منظم يحترم القانون ويخاطب المسؤول باسم المواطن، ويتكامل في الوقت نفسه مع مبدأ حق الوصول إلى المعلومة الذي لم يعد ترفًا، بل حجر أساس في أي نظام يسعى إلى الشفافية والمساءلة.

جوهر السؤال الصحفي وتعريفه المهني
في هذا السياق نقترح في وكالة الصحافة المستقلة تعريفًا واضحًا للسؤال الصحفي بوصفه سؤالًا رقابيًا موجَّهًا من مؤسسة إعلامية مستقلة إلى مسؤول حكومي أو محلي، أو إلى إدارة مؤسسة عامة أو أهلية، حول قضية تمسّ المصلحة العامة، يُوجَّه عبر قناة رسمية ويُمنح المسؤول مهلة معقولة للرد، ثم يُنشر السؤال والإجابة أو يُسجَّل الامتناع عن الإجابة أمام الرأي العام. بهذا المعنى لا يشبه السؤال الصحفي خبرًا عابرًا ولا تعليقًا انفعاليًا ولا اتهامًا مسبقًا، بل هو إجراء مهني منظم يقوم على قضية واضحة ومسؤول محدد وصياغة دقيقة محترمة ومسار رسمي للإرسال والمتابعة ونهاية شفافة يطّلع فيها الجمهور على ما قيل وما سكت عنه. والأهم أن السؤال الصحفي يترجم عمليًا مبدأ حق الوصول إلى المعلومة من نصوص عامة وشعارات جميلة إلى ممارسة يومية ملموسة تُلزم الجهة المسؤولة بالخروج من منطق إخفاء الحقائق إلى منطق كشفها وتقديمها للجمهور.

السؤال الصحفي وحق الوصول إلى المعلومة
حق الوصول إلى المعلومة لم يعد فكرة نظرية أو مطلبًا نخبوياً، بل تحوّل في التجارب الديمقراطية إلى حق أساسي من حقوق الإنسان وشرط من شروط بناء ثقة الناس بمؤسسات الدولة. هذا الحق يعني ببساطة أن ما يُنتج في المؤسسات العامة من قرارات ووثائق وبيانات وموازنات ليس ملكًا خاصًا لمن يجلس في المكتب، بل هو ملك للجمهور الذي تُتخذ هذه القرارات باسمه. في هذا الإطار يأتي السؤال الصحفي ليكون أداة عملية لتفعيل هذا الحق؛ فالمؤسسة الإعلامية حين تسأل، لا تفعل ذلك بدافع الفضول، بل نيابة عن المواطن الذي يريد أن يعرف. وعندما تُجبَر المؤسسة الرسمية على تقديم المعلومة أو توضيح موقفها أو الاعتراف بخلل وقع، فإننا لا نكون أمام مجرد تفاعل بين صحافة ومسؤول، بل أمام ممارسة حقيقية لمبدأ عالمي هو مبدأ الشفافية وحق الوصول إلى المعلومات. السؤال الصحفي بهذا المعنى يقف في مواجهة ثقافة الكتمان وإخفاء الحقائق، ويعيد تعريف المعلومة باعتبارها حقًا مشتركًا لا سرًا محفوظًا في الأدراج.

الحاجة الملحّة إلى السؤال الصحفي اليوم
في بلد مثقل بالأزمات وتحديات الفساد وسوء الإدارة وغياب التخطيط، تصبح الحاجة إلى السؤال الصحفي جزءًا من الحاجة إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ثقة الناس بالدولة والمؤسسات. فعندما تتراخى بعض أدوات الرقابة أو تتراجع فاعليتها، يتحول السؤال الصحفي إلى جسر إضافي يصل بين النص الدستوري والواقع، ويعيد تذكير السلطة بأن المساءلة ليست خيارًا ثانويًا بل شرطًا من شروط الحكم الرشيد. كما يكرّس السؤال الصحفي مبدأ الشفافية وحق الجمهور في المعرفة وحقه في الوصول إلى المعلومة الدقيقة في وقتها، إذ يقول للمسؤول إن ما يديره ليس شأنًا خاصًا بل شأن عام، وإن المعلومة التي يحتفظ بها في مكتبه ليست ملكًا شخصيًا بل حقًا للمواطن. وحين تُنشر الأسئلة والإجابات أمام الناس، تتحول العملية إلى درس حي في الشفافية ورسالة واضحة بأن زمن الأبواب المغلقة وإخفاء الحقائق يقترب من نهايته كلما ارتفعت قيمة السؤال في ثقافة المجتمع.

السؤال الصحفي ورفع سوية العمل الإعلامي
اعتماد نموذج السؤال الصحفي لا يخدم الرقابة وحدها، بل يرفع مستوى المضمون الإعلامي ذاته. فالصحفي الذي يمارس السؤال الصحفي لا يكتفي بنقل ما يُقال، بل يذهب إلى ما يجب أن يُقال. يجمع الوثائق، يراجع الأرقام، يقرأ التقارير الرقابية، يستمع إلى شكاوى المواطنين، ثم يصوغ سؤالًا محددًا يضع المسؤول أمام استحقاق الإجابة. بهذه الروح ينتقل المحتوى من مساحة الانطباعات والعناوين الانفعالية والتسريبات غير الموثوقة إلى مساحة التحقيق المؤسس على وثيقة واسم ومسؤولية واضحة ومعلومة متاحة ومفتوحة أمام الجمهور. والسؤال الصحفي في هذا الإطار ليس خصومة مع المسؤول، بل دعوة له أن يشرح ويوضّح ويفسّر ما يجري في نطاق صلاحياته، وأن يمارس شفافيته في كشف الحقائق بدل إخفائها أو تدويرها في الغرف المغلقة.

منهجية ممارسة السؤال الصحفي
حتى ينجح السؤال الصحفي في أداء دوره الرقابي لا بد أن يمارَس ضمن منهج واضح، يبدأ باختيار القضايا المرتبطة بالمصلحة العامة من خدمات وبنى تحتية ومال عام وتعيينات وعقود وقرارات تمس حياة المواطنين اليومية. يسبق السؤال عمل تحضيري يستند إلى معلومات أولية موثوقة، من وثائق وقرارات رسمية وتقارير تدقيقية وشكاوى موثقة وما نُشر سابقًا في وسائل الإعلام. ثم يُحدَّد المسؤول المعني تحديدًا دقيقًا، وزيرًا كان أم محافظًا أم مديرًا عامًا أم رئيس هيئة أم مجلسًا محليًا، بما يضمن أن يصل السؤال إلى من يملك القدرة على الإجابة واتخاذ القرار. بعد ذلك تُصاغ صيغة السؤال الصحفي بلغة محترمة واضحة، يمكن أن تضم محورًا رئيسيًا وأسئلة فرعية توضيحية، ثم يُرسل عبر قناة رسمية موثقة، مع تحديد مهلة معقولة للرد والتنويه بأن الوكالة ستنشر السؤال والإجابة أو تشير إلى عدم ورود رد حتى تاريخ النشر. وفي النهاية يُنشر السؤال كما هو، وتُنشر الإجابة كما وردت، أو يُسجَّل أمام الرأي العام أن المؤسسة المعنية لم تجب رغم ما أُتيح لها من وقت وفرصة، وبذلك يتحول النشر نفسه إلى ممارسة لحق الجمهور في الوصول إلى المعلومة حتى حين تختار السلطة الصمت.

ضوابط أخلاقية تحمي السؤال وتحمي الصحافة
السؤال الصحفي، كما نراه في وكالة الصحافة المستقلة، أمانة مهنية قبل أن يكون أداة ضغط، ولذلك نؤكد أنه لا يجوز أن يُبنى على شائعة أو خصومة شخصية أو مصلحة ضيقة. احترام الحقيقة قدر الإمكان يبدأ من لحظة جمع المعلومات الأولية، ويستمر في طريقة صياغة السؤال واختيار توقيته وطريقة نشره. كما نرفض بشكل قاطع تحويل السؤال الصحفي إلى وسيلة ابتزاز أو مقايضة، ونصرّ على التعامل معه كحق مجتمعي وواجب مهني لا كورقة تستعمل في الكواليس. جزء أساسي من هذه الضوابط هو احترام قرينة البراءة، فالسؤال الصحفي ليس حكمًا بالإدانة بل طلبًا للتوضيح، وإتاحة حق الرد والتصحيح متى ظهرت معطيات جديدة أو طلبت الجهة المعنية توضيحًا إضافيًا. وإلى جانب ذلك كله تبقى سلامة الزملاء الصحفيين أولوية ثابتة، ما يستدعي تقدير المخاطر المحيطة بكل ملف رقابي وعدم الزج بأي صحفي في مواجهة غير محسوبة، مع الإصرار في الوقت نفسه على أن حق الوصول إلى المعلومة لا يُعطَّل بالخوف ولا يُلغى بالتهديد.

دور وكالة الصحافة المستقلة في ترسيخ ثقافة السؤال
بعد أكثر من عقد ونصف من العمل في الميدان العراقي، وبين التقلبات السياسية والأمنية والاجتماعية، ترى وكالة الصحافة المستقلة أن الوقت قد حان للانتقال من مجرد رصد الأحداث إلى تفعيل أداة رقابية منهجية مستقرة هي السؤال الصحفي. نحن نؤمن بثقافة السؤال لا بثقافة الصمت، ونعتبر أن السؤال الصحفي أداة رقابية مشروعة ومهنية ومسؤولة، وسنعمل على تنظيمها بلائحة داخلية تضبط آلياتها وشروطها ومراحلها بما يضمن احترام القانون وحماية المصلحة العامة وصون كرامة الإنسان، مسؤولًا كان أم مواطنًا، وبما ينسجم مع روح مبدأ حق الوصول إلى المعلومة الذي نعدّه جزءًا من هوية عملنا الصحفي. لسنا في موقع العداء مع أحد، لكننا في موقع الانحياز الواضح لحق المواطن في أن يعرف، ولحقه في أن يرى المسؤول يجيب ويبرّر ويفسّر، ويعتذر ويصحح إن اقتضى الأمر.

ختاما: في نهاية المطاف يلتقي السؤال البرلماني الذي نظمه الدستور والسؤال الصحفي الذي ندعو إليه اليوم عند نقطة واحدة، هي إلزام السلطة بأن تقف أمام المرآة. في بلد أنهكته الأزمات وتراكمت فيه ملفات الفساد وسوء الإدارة، لا نملك ترف أن نصمت أو نكتفي بالفرجة. السؤال في جوهره ليس وقاحة بل شجاعة، والسكوت أمام الخلل ليس حيادًا بل نوع من التواطؤ بالصمت. من هنا تختار وكالة الصحافة المستقلة أن تنحاز إلى السؤال، لأن السؤال هو بداية الطريق إلى الحقيقة، ولأن الحقيقة هي أول الطريق نحو إصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا الوطن الذي نستحق جميعًا أن يكون أفضل، ولأن حق الوصول إلى المعلومة ليس شعارًا نظريًا، بل ممارسة يومية تبدأ بسؤال صحفي مهني وتستكمل بمسؤول يجرؤ على أن يقول الحقيقة.

زر الذهاب إلى الأعلى