الزيدي في أميركا.. طي صفحة الأمن للاستثمار

المستقلة/- في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن، استهل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، زيارته الرسمية الأولى إلى الولايات المتحدة بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتأتي هذه الزيارة لترسم ملامح مرحلة جديدة ترتكز على “الدبلوماسية الاقتصادية” وتوسيع الشراكات الاستثمارية، مبتعدة خطوة عن الأطر الأمنية التقليدية التي هيمنت على علاقات البلدين لعقود.

لقاء العمل الأول الذي جمع الزيدي في مقر إقامته بواشنطن مع المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى العراق وسوريا، توم باراك، وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بجدول الأعمال المزدحم الذي يركز بالدرجة الأولى على الاقتصاد، مع عدم إغفال الملفات الإقليمية الساخنة.

1. الاقتصاد أولاً: إعادة تعريف الشراكة الاستراتيجية

تأتي زيارة رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، حاملةً في حقيبتها ملفات تنموية واستثمارية ضخمة؛ إذ أعلنت الحكومة العراقية صراحة أن الهدف الرئيس هو ترجمة العلاقات السياسية إلى مشاريع ملموسة على الأرض.

وتتطلع بغداد من خلال هذه اللقاءات إلى:

  • استقطاب الاستثمارات الأميركية: نقل التكنولوجيا الحديثة والخبرات الإدارية إلى السوق العراقية.

  • تطوير البنية التحتية والرقمنة: السعي لإشراك الشركات الأميركية الكبرى في مشاريع البنى التحتية، وتطوير الاقتصاد الرقمي والأنظمة المالية.

  • تنويع مصادر الدخل: خلق فرص عمل مستدامة وتوسيع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي لتجاوز الأحادية الريعية للاقتصاد العراقي.

2. قطاع الطاقة: في صدارة التفاهمات المنتظرة

يمثل قطاع الطاقة والنفط والغاز العمود الفقري للمباحثات العراقية الأميركية في هذه الزيارة. ووفقاً للتصريحات الرسمية، فإن التفاهمات القادمة ستستند إلى اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين، مع التركيز على مشاريع نوعية تشمل:

  1. رفع القدرات الإنتاجية: تعزيز إنتاج المشتقات النفطية وتطوير الصناعات البتروكيماوية محلياً لتقليل الاعتماد على الاستيراد.

  2. استثمار الغاز المصاحب: وضع حد لحرق الغاز وتحويله إلى مصدر رئيس لتوليد الطاقة الكهربائية، وهو ملف يحظى باهتمام ودعم أميركيين كبيرين لتعزيز استقلالية الطاقة في العراق.

  3. مذكرات تفاهم واعدة: من المتوقع توقيع اتفاقيات مهمة مع شركات طاقة أميركية عملاقة لتطوير حقول إنتاجية واعدة.

3. الدور الإقليمي للعراق: صانع سلام ومحور للتهدئة

إلى جانب الملف الاقتصادي الضخم، فرضت التطورات الإقليمية نفسها على طاولة النقاش بين الزيدي وباراك؛ حيث شدد الطرفان على أهمية خفض مستويات التوتر في الشرق الأوسط.

رؤية مشتركة للاستقرار:

يرى العراق في استقراره الداخلي ركيزة أساسية لأمن المنطقة. وتسعى حكومة الزيدي إلى لعب دور ريادي في “تقريب وجهات النظر” والمساهمة الفاعلة في تهدئة الأزمات الإقليمية، مستغلةً علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الفاعلة لتكون جسر تواصل إيجابي.

آفاق مستقبلية: نحو علاقة متكافئة ومستدامة

تكتسب هذه الزيارة أهمية استثنائية لكونها الزيارة الخارجية الأولى للزيدي منذ تشكيل حكومته، مما يبعث برسالة واضحة حول أولويات السياسة الخارجية للعراق الجديد. إن انتقال بوصلة الحوار من “التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب” إلى “التنمية المستدامة والشراكة الرقمية والمالية” يعكس نضجاً في العلاقات الثنائية ورغبة مشتركة في بناء تحالف متكافئ يخدم مصالح الشعبين.

المباحثات المرتقبة للرئيس الزيدي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولقاءاته مع قادة مجتمع المال والأعمال في واشنطن، ستكون بمثابة الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الطرفين على تحويل هذه الرؤى الطموحة إلى اتفاقيات ومشاريع استثمارية حية تعيد رسم الخارطة الاقتصادية للعراق وتؤمن استقراره المستقبلي.

زر الذهاب إلى الأعلى