
الدولة العراقية تنتخب نفسها… كيف تحوّلت المؤسسات إلى ماكينات تصويت للسلطة؟
استغلال موظفي الدولة في الانتخابات العراقية: صمت يشرعن الانحراف الديمقراطي
المستقلة/ متابعة/- مع اقتراب الانتخابات النيابية المقررة في نوفمبر 2025، تتصاعد المخاوف من هيمنة المال السياسي واستغلال النفوذ الوظيفي داخل مؤسسات الدولة، وسط انسحاب قوى وازنة من السباق الانتخابي وانهيار قواعد التنافس الحر. المرشحون الذين يشغلون مناصب عليا في الجهاز الإداري باتوا يتصرفون كملاك سياسيين على مؤسساتهم، مجندين موظفيهم بالترهيب أو التلميح بالامتيازات، لتتحول الإدارات العامة إلى أذرع انتخابية فعالة لا تعبأ بقوانين الخدمة ولا بالدستور.
من جانب اخر، حذر الباحث بالشأن السياسي العراقي هادي جلو مرعي، من اتساع هذه الظاهرة، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من المرشحين هم في الأصل مسؤولون حكوميون حشّدوا موظفيهم لدعمهم انتخابيًا، في سلوك يقوم على الترهيب الوظيفي والمصلحة الفردية، وليس على الحرية السياسية. في المقابل، يتزايد نفوذ المال الانتخابي القائم على صفقات العشيرة والطائفة، مدفوعًا بأموال عامة أو موارد حزبية خارجة عن الرقابة.
صمت المؤسسات الرقابية وتواطؤ محتمل
ما يثير القلق هو صمت الجهات المسؤولة عن ضمان نزاهة العملية الانتخابية. هيئة النزاهة، ومجلس القضاء الأعلى، ومفوضية الانتخابات، وجهاز الادعاء العام تبدو وكأنها تتفرج على ما يحدث، رغم كثافة التقارير والشكاوى والمعلومات المتداولة عن شراء الذمم، والضغط على الموظفين، واستغلال دوائر الدولة. هذا الصمت لا يمكن تفسيره إلا كجزء من حالة تواطؤ مؤسساتي، أو كعجز مريب عن حماية الديمقراطية من الانهيار.
من التمثيل الحر إلى توريث النفوذ
التحولات الجارية تنذر بتحويل الانتخابات إلى أداة لإعادة تدوير النفوذ ذاته داخل مؤسسات الحكم. لم تعد صناديق الاقتراع تعكس الإرادة الحرة، بل تعيد إنتاج الطبقة ذاتها التي أحكمت قبضتها على موارد الدولة وأجهزتها الإدارية والأمنية، مما يعمّق فجوة الثقة بين المواطن والنظام السياسي.
شرعية مهددة ومجتمع يتجه نحو العزوف
الصورة الراهنة لا تبشر بانتخابات نزيهة، بل بجولة أخرى من التزوير المقنّن عبر مؤسسات الدولة ذاتها. استمرار هذا المسار سيؤدي إلى فقدان الشرعية الشعبية، ويكرّس قناعة عامة بأن الانتخابات في العراق لم تعد مناسبة للتغيير، بل مناسبة لفرض القديم بوسائل جديدة. أمام هذا الواقع، بات من الملح أن تتحرك المؤسسات الرقابية فورًا، لا لحماية نتائج الانتخابات، بل لحماية ما تبقى من فكرة الدولة.





