الدولار يدخل على خط الضغط الأميركي.. هل يواجه العراق أزمة مالية جديدة؟

المستقلة/- تشير معطيات متقاطعة من أوساط سياسية واقتصادية إلى أن الولايات المتحدة تعيد فتح الملف العراقي من زاوية مالية شديدة الحساسية، عبر تشديد التركيز على ملف الدولار وتدفقاته، في مسار قد يفرض ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد العراقي خلال المرحلة المقبلة، إذا ما تحول من إجراءات رقابية محدودة إلى سياسة ضغط أوسع.

وبحسب هذه المعطيات، فإن التحركات الأخيرة لا تبدو معزولة عن السياق السياسي والأمني الأوسع، بل توحي بوجود مقاربة أميركية تقوم على استخدام الدولار كأداة ضغط تدريجي، تبدأ بتقييد السيولة والتشدد في مراقبة التحويلات، وقد تتوسع لاحقًا إلى إجراءات أكثر تأثيرًا على النظام المالي العراقي المرتبط بصورة وثيقة بالدولار.

وتنبع حساسية هذا المسار من طبيعة البنية المالية العراقية نفسها، إذ يعتمد العراق بشكل شبه كامل على الدولار في تمويل تجارته الخارجية، كما أن عائدات النفط العراقية تودع في حسابات تخضع لآليات رقابية دولية معروفة، ما يجعل أي قيود على تدفق الدولار أو آليات الوصول إليه ذات أثر مباشر على السوق المحلية، وسعر الصرف، وحركة الاستيراد، والاستقرار النقدي عمومًا.

وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى أي تقليص محتمل في شحنات الدولار النقدي أو تشديد في إجراءات التحويلات الخارجية بوصفه إجراءً فنيًا بحتًا، بل باعتباره رسالة سياسية اقتصادية تحمل أبعادًا تتجاوز الجانب النقدي إلى ملفات النفوذ الإقليمي، والامتثال المالي، والعلاقة المعقدة بين بغداد وواشنطن.

وتربط المصادر هذا التصعيد المحتمل بعدة ملفات رئيسية، في مقدمتها ملف تهريب الدولار، إذ ترى واشنطن، بحسب هذه التقديرات، أن جزءًا من العملة الصعبة يخرج عبر شبكات مالية وتجارية غير رسمية، ويُستخدم في الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، وهو ما يمثل، في التقدير الأميركي، أحد أكثر الخطوط حساسية في إدارة العلاقة المالية مع العراق.

كما تضع هذه القراءة ملف إدارة السوق النقدي ضمن أسباب الضغط، في ظل استمرار الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، واستمرار المضاربات، ومحدودية أثر الإجراءات الحكومية والمصرفية في إنهاء حالة الاضطراب المزمنة في سوق الصرف.

ولا ينفصل ذلك، بحسب المصادر نفسها، عن ملف النفوذ المسلح داخل الدولة، إذ يُعتقد أن التقدير الأميركي يربط بين النفوذ المتزايد للفصائل المسلحة وبين هشاشة القرارين الاقتصادي والأمني، ما يجعل الملف المالي جزءًا من مقاربة أوسع تتداخل فيها اعتبارات النقد والامتثال مع اعتبارات النفوذ والسيطرة داخل مؤسسات الدولة.

وفي ضوء ذلك، تتحدث هذه المعطيات عن تقييم أميركي غير مريح لأداء حكومة محمد شياع السوداني في عدد من الملفات الأساسية، من بينها ضبط السلاح خارج الدولة، وإدارة الملف المالي، والحد من نزيف الدولار، وهو ما قد يدفع باتجاه اعتماد أدوات ضغط مالية متدرجة بدلًا من الذهاب إلى مواجهة سياسية مباشرة.

وبحسب هذا التصور، فإن سيناريوهات التصعيد لا تتوقف عند حدود تقييد شحنات الدولار النقدي أو فرض تدقيق أشد على التحويلات الخارجية، بل قد تشمل، في مراحل لاحقة، تشديد القيود على بعض المصارف العراقية، أو عزل مؤسسات مالية عن النظام المالي العالمي، أو تقييد التعامل بالدولار بالنسبة إلى بنوك محددة، وصولًا، في السيناريوهات الأشد قسوة، إلى إعادة النظر في آليات وصول العراق إلى جزء من أمواله أو تشديد الرقابة على حركتها.

اقتصاديًا، فإن أي تطور من هذا النوع قد ينعكس سريعًا على سوق الصرف، عبر زيادة الضغط على الدولار في السوق الموازية، ودفع سعره إلى مستويات أعلى، وهو ما يعني عمليًا انتقال الأثر إلى الأسعار والتضخم، ولا سيما في بلد يعتمد على الاستيراد بصورة واسعة لتأمين السلع الأساسية والاستهلاكية.

كما قد يواجه القطاع المصرفي ضغوطًا متزايدة في حال اتسعت القيود أو تصاعدت الشكوك، سواء من جهة فتح الاعتمادات وتمويل التجارة الخارجية، أو من جهة الثقة العامة بالنظام المصرفي. وفي مثل هذه الحالات، ترتفع مخاطر لجوء الأفراد إلى اكتناز الدولار، وسحب الودائع، والابتعاد عن القنوات المصرفية الرسمية، بما يفاقم من هشاشة السوق بدلًا من تهدئتها.

ولا يقتصر الأثر المحتمل على السوق النقدية، بل قد يمتد إلى النشاط الاقتصادي الأوسع، عبر تراجع الاستيراد، وانخفاض وتيرة التجارة، وتعطيل مشاريع القطاع الخاص، وهو ما يضع الاقتصاد أمام احتمالات ركود تدريجي إذا لم تُعالج الاختلالات بسرعة وبإجراءات ذات أثر حقيقي.

وتعكس هذه الأزمة المحتملة أيضًا بُعدًا إقليميًا يتجاوز الداخل العراقي، إذ تبدو بغداد واقعة بين ضغوط واشنطن الرامية إلى قطع القنوات المالية التي يمكن أن تستفيد منها إيران، وبين واقع سياسي وأمني داخلي يجعل الموازنة بين الطرفين أكثر تعقيدًا. وفي هذا السياق، يبرز العراق باعتباره ساحة شديدة الحساسية لأي اشتباك مالي غير مباشر بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي المحصلة، فإن جوهر المسألة لا يتعلق بالدولار كعملة فقط، بل بالدولار كأداة نفوذ وضبط وتأثير. وإذا كانت الرسائل الأميركية، وفق هذه القراءة، تتجه نحو مزيد من التشدد، فإن السؤال الحاسم يصبح: هل تتحرك بغداد سريعًا نحو إصلاحات مالية ومصرفية أكثر عمقًا ووضوحًا، أم أن الضغوط مرشحة للتحول من أدوات تحذير تدريجي إلى مسار أشد قسوة على الاقتصاد العراقي؟

ويبقى هذا السيناريو، حتى الآن، محكومًا بما قد يصدر من مواقف رسمية وإجراءات فعلية في الأيام المقبلة، غير أن حساسية المؤشرات المتداولة تجعل من الملف واحدًا من أكثر الملفات الاقتصادية والسياسية قابلية للتصعيد، في حال لم يُحتوَ سريعًا بسياسات واضحة وفاعلة.

زر الذهاب إلى الأعلى