الخميس الحاسم.. 4 نواب و3 وزارات جديدة تشعل صراع النفوذ داخل حكومة الزيدي

المستقلة/- تتجه الأنظار، اليوم الخميس 15 تشرين الأول 2026، إلى مجلس النواب العراقي، الذي يستعد للتصويت على استكمال التشكيلة الوزارية لحكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وسط تفاهمات سياسية تتجاوز مجرد ملء الحقائب الشاغرة، لتشمل استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس مجلس الوزراء وثلاث وزارات جديدة، في خطوة تثير تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات داخل السلطة التنفيذية، وحدود نفوذ رئيس الوزراء أمام القوى السياسية المشاركة في حكومته.

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية ومالية، وضغوطاً مرتبطة بسعر صرف الدينار والإنفاق الحكومي، إلى جانب تعقيدات إقليمية ودولية تجعل من توسيع الحكومة قضية تتجاوز الحسابات الإدارية إلى طبيعة إدارة الدولة وتوزيع مراكز القرار.

وكان الزيدي قد وجّه كتاباً رسمياً إلى مجلس النواب، في 13 تشرين الأول الجاري، يقترح فيه تحديد جلسة الخميس للتصويت على مرشحي نوابه والوزارات الشاغرة والمستحدثة، مؤكداً أن نواب رئيس الوزراء سيعملون دون رواتب أو تخصيصات مالية أو تعيينات جديدة لمكاتبهم. وقد حدد البرلمان الموعد المقترح.

غير أن التعهد بعدم تخصيص رواتب للمناصب الجديدة لا ينهي الجدل بشأن جدواها، إذ يطرح التوسع الحكومي سؤالاً أكثر أهمية: هل يسعى رئيس الوزراء إلى تعزيز قدرته على إدارة الملفات المعقدة، أم أن القوى السياسية تعمل على إيجاد مراكز نفوذ جديدة داخل مجلس الوزراء؟

أربعة نواب لرئيس الوزراء.. توزيع مهام أم إعادة توزيع السلطة؟

بحسب المعلومات التي نشرتها صحيفة «المدى»، تتضمن التفاهمات السياسية توزيع مناصب نواب رئيس الوزراء الأربعة بين قوى شيعية وسنية وكردية، مع تداول أسماء ليث الخزعلي عن حركة صادقون، ومحسن المندلاوي، ومحمد تميم عن حزب تقدم، إلى جانب مرشح كردي.

وفي تطور لاحق، نقلت وسائل إعلام عن النائب كريم عليوي، من الإطار التنسيقي، أن الاتفاق شمل ترشيح فارس البريفكاني للمنصب الرابع، إلا أن هذه الأسماء تظل بحاجة إلى الحسم عبر التصويت البرلماني.

وتكمن حساسية هذه المناصب في أن شاغليها المحتملين لا يمثلون شخصيات إدارية مستقلة بالضرورة، بل قوى سياسية تمتلك حضوراً داخل البرلمان وتحالفات مؤثرة في تشكيل الحكومة.

ومن الناحية الدستورية، تبقى المسؤولية الأساسية عن إدارة مجلس الوزراء ورسم السياسة العامة للحكومة بيد رئيس الوزراء، فيما تتوقف الصلاحيات التنفيذية لنوابه على الأطر القانونية والتفويضات المحددة لهم.

لكن الممارسة السياسية العراقية تطرح احتمالاً آخر، يتمثل في انتقال الخلافات بين الأحزاب من خارج الحكومة إلى داخل اجتماعات مجلس الوزراء، خصوصاً إذا حاول كل نائب التعبير عن مصالح الكتلة التي دعمته للوصول إلى المنصب.

وفي هذا السياق، حذر أستاذ السياسات الاستراتيجية والدولية إحسان الشمري، في تصريحات نقلتها «المدى»، من أن العرف السياسي قد يمنح موازين القوى الحزبية تأثيراً يتجاوز حدود الصلاحيات القانونية، ما يجعل استحداث المناصب اختباراً لقدرة الزيدي على الحفاظ على مركزية القرار الحكومي.

وفي المقابل، يرى ائتلاف دولة القانون، وفق تصريحات المتحدث باسمه عقيل الفتلاوي، أن النواب لن يتمكنوا من انتزاع صلاحيات رئيس الوزراء، لأن ممارسة اختصاصاتهم تعتمد أساساً على ما يفوضهم به رئيس الحكومة.

وبين الرأيين، تبدو المسألة مرتبطة بطبيعة الاتفاق السياسي الذي سبق تشكيل الحكومة، ومدى قدرة الزيدي على الفصل بين الالتزامات تجاه القوى الداعمة له ومتطلبات ممارسة صلاحياته التنفيذية.

حكومة بلا رواتب إضافية للنواب.. لكن ماذا عن كلفة التوسع؟

أثار الإعلان عن عمل نواب رئيس الوزراء دون رواتب اهتماماً سياسياً وإعلامياً، خصوصاً بعد تقارير تحدثت عن مقترحات سابقة تتعلق بتخصيص مقار وموازنات وحماية للمناصب الجديدة.

وكانت «المدى» قد نشرت معلومات عن ترتيبات محتملة لتجهيز مقار داخل المنطقة الخضراء، ورواتب مقترحة تصل إلى عشرة ملايين دينار شهرياً لبعض المناصب. غير أن هذه المعلومات تعود إلى مرحلة المفاوضات، ولا تمثل نفقات نهائية مثبتة أو مصروفة.

والتعهد الحكومي بعدم صرف رواتب أو تخصيصات لنواب رئيس الوزراء يحد من جانب من المخاوف المالية، لكنه لا يجيب وحده عن جميع الأسئلة المتعلقة بكلفة استحداث وزارات جديدة.

فالوزارة المستحدثة تحتاج عادة إلى هيكل إداري وتحديد اختصاصات وموارد تشغيلية، حتى إذا اعتمدت على نقل ملاكات وموجودات من مؤسسات قائمة.

ومن ثم، فإن التقييم المالي الحقيقي للتوسع الحكومي يتطلب نشر الكلف التقديرية، وتوضيح مصادر تمويل الوزارات الجديدة، وبيان ما إذا كانت ستؤدي إلى زيادة الإنفاق العام أم ستتم إعادة هيكلة مؤسسات حالية دون أعباء إضافية كبيرة.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد، إذ إن أي توسع في الجهاز التنفيذي يحتاج إلى تبرير واضح من حيث المنفعة العامة والكفاءة الإدارية، بعيداً عن اعتبارات توزيع المناصب.

تسع حقائب وزارية.. صراع الحصص يدخل مرحلته الحاسمة

لا تقتصر المفاوضات الجارية على المناصب الأربعة، إذ تشمل أيضاً استكمال تسع حقائب وزارية ظلت خارج التشكيلة الحكومية خلال المرحلة السابقة، وسط تنافس بين القوى السياسية للحصول على الوزارات ذات التأثير الأمني والاقتصادي والخدمي.

وتشير المعلومات المتداولة إلى سعي ائتلاف دولة القانون للحصول على وزارتي الداخلية والتعليم العالي، مقابل مطالبات من قوى أخرى بإعادة توزيع عدد من الحقائب الوزارية وفقاً لحجم تمثيلها البرلماني.

وفي الجانب السني، تبرز المنافسة بشأن وزارات الدفاع والتخطيط والثقافة، فيما تتجه التفاهمات إلى تخصيص حقيبة الإعمار والإسكان للحزب الديمقراطي الكردستاني.

وتكشف هذه الخلافات عن استمرار تأثير المحاصصة السياسية في تشكيل الحكومة، إذ لا تقتصر المفاوضات على الكفاءة المهنية للمرشحين وبرامجهم الوزارية، بل تمتد إلى التوازنات بين الكتل وطبيعة تحالفاتها.

وكان النائب كريم عليوي قد أعلن، وفق تصريحات نقلتها شبكة «الساعة» في 13 تشرين الأول، التوصل إلى اتفاق بشأن مجموعة من المرشحين للحقائب الوزارية المتبقية، في مؤشر على تقدم المفاوضات، دون أن يشكل ذلك بحد ذاته ضماناً لنتائج التصويت.

ويثير هذا المشهد مخاوف من أن تتحول الوزارات إلى امتداد للتنافس الحزبي، خصوصاً إذا لم يرافق توزيع الحقائب اتفاق واضح بشأن مسؤولية كل وزير وآليات تقييم الأداء والمحاسبة.

ثلاث وزارات مستحدثة.. حضور سياسي جديد للفصائل

يبرز ضمن التفاهمات المطروحة احتمال استحداث ثلاث وزارات، تشمل السياحة والتحول الرقمي أو الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وزارة دولة يرجح تخصيصها للمكون التركماني.

وبحسب ما أوردته «المدى» من معلومات سياسية، فإن وزارة السياحة المقترحة قد تذهب إلى كتلة سيد الشهداء، فيما يجري تداول تخصيص حقيبة التحول الرقمي لكتلة مرتبطة بكتائب الإمام علي.

ولا تزال هذه الترتيبات في إطار التفاهمات والترشيحات السياسية، ولا يمكن اعتبارها قرارات نهائية قبل استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة.

وتفتح مشاركة قوى سياسية مرتبطة بفصائل مسلحة في توزيع الحقائب الوزارية نقاشاً يتصل بطبيعة العلاقة بين العمل السياسي والمؤسسات الحكومية، ومدى استقلال القرار التنفيذي عن المصالح الحزبية.

كما تثير هذه التطورات تساؤلات بشأن انعكاساتها على علاقات العراق الخارجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، في ظل حساسية ملف الجماعات المرتبطة بإيران والعقوبات والقيود الأميركية المفروضة على بعض الأطراف.

ومع ذلك، فإن مجرد ترشيح شخصية مدعومة من كتلة مرتبطة بفصيل لا يكفي، من الناحية القانونية أو السياسية، للاستنتاج بأن الوزارة ستكون خاضعة مباشرة لذلك الفصيل، أو أن الخطوة ستؤدي تلقائياً إلى إجراءات أميركية جديدة.

والتحدي الحقيقي سيكون في مدى التزام الوزراء، حال نيلهم الثقة، بالسياسات الحكومية والقوانين النافذة، وقدرتهم على إدارة مؤسسات الدولة بمعزل عن الاعتبارات الحزبية.

الدستور يمنح الزيدي السلطة.. لكن هل يمتلك القرار السياسي؟

تنص المادة 78 من الدستور العراقي على أن رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، ويتولى إدارة مجلس الوزراء ورئاسة اجتماعاته، فضلاً عن كونه القائد العام للقوات المسلحة.

وبذلك، فإن وجود نواب لرئيس الوزراء لا يعني انتقال هذه الصلاحيات الدستورية إليهم بصورة تلقائية.

غير أن الإشكالية التي يطرحها التوسع الحكومي لا تتعلق بالنص الدستوري وحده، وإنما بالتوازن بين السلطة الرسمية التي يمارسها رئيس الوزراء والنفوذ السياسي الذي تمتلكه القوى الداعمة للحكومة داخل البرلمان وخارجه.

فإذا أصبحت القرارات الحكومية بحاجة إلى توافق مستمر بين مراكز سياسية متعددة، فقد تتراجع سرعة اتخاذ القرار، وتزداد احتمالات التعطيل في الملفات الاقتصادية والأمنية والخدمية.

وفي المقابل، يمكن أن يؤدي توزيع الاختصاصات بصورة واضحة بين رئيس الوزراء ونوابه إلى تعزيز التنسيق الحكومي، بشرط ألا تتحول المناصب إلى مستويات إضافية من التدخل في عمل الوزراء.

وهنا يبرز الاختبار الأساسي أمام الزيدي: هل سيكون قادراً على وضع حدود عملية لصلاحيات نوابه، أم ستفرض التفاهمات السياسية واقعاً جديداً يجعل إدارة مجلس الوزراء أكثر تعقيداً؟

ضغوط مالية وتحديات اقتصادية.. هل يتحمل العراق حكومة أكبر؟

تتزامن مناقشات توسيع التشكيلة الحكومية مع ظروف اقتصادية حساسة، تتعلق بإدارة الإيرادات النفطية، واستقرار سعر الصرف، ومتطلبات الإنفاق العام، فضلاً عن الحاجة إلى تعزيز كفاءة المؤسسات الحكومية.

وفي مثل هذه الظروف، يفترض أن تخضع أي خطوة لاستحداث مؤسسات وزارية جديدة لتقييم اقتصادي وإداري يحدد أهدافها والكلفة المتوقعة لتشغيلها، ومدى قدرتها على تحقيق نتائج لا تستطيع المؤسسات القائمة إنجازها.

فاستحداث وزارة للتحول الرقمي، على سبيل المثال، قد يتيح توحيد السياسات التقنية وتحسين الخدمات الحكومية، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تداخل الاختصاصات مع مؤسسات قائمة إذا لم توضع حدود واضحة لمسؤولياتها.

وينطبق الأمر نفسه على وزارة السياحة، التي يمكن أن تمثل فرصة لتطوير قطاع اقتصادي غير نفطي، شريطة أن ترتبط بخطة استثمارية وتنموية، لا بمجرد استحداث حقيبة وزارية ضمن اتفاق سياسي.

ومن ثم، فإن نجاح التوسع الحكومي لن يقاس بعدد الوزراء أو النواب الجدد، وإنما بقدرة هذه المناصب على تقديم قيمة فعلية للإدارة العامة وتحسين الخدمات وتقليل التعقيدات.

جلسة الخميس.. اختبار للاتفاق السياسي قبل الأداء الحكومي

تمثل جلسة مجلس النواب المقررة اليوم الخميس محطة مهمة في تحديد مستقبل حكومة الزيدي، بعد فترة من التفاوض على الأسماء والحصص الوزارية والمناصب الجديدة.

ويرجح أن تتأثر نتائج التصويت بمدى التزام الكتل السياسية بالتفاهمات التي سبقت الجلسة، خصوصاً في ظل الحديث عن تمرير الترشيحات ضمن توافق سياسي شامل.

لكن حسم المناصب لا يعني بالضرورة إنهاء الخلافات؛ إذ قد تنتقل المنافسة من مرحلة توزيع الحقائب إلى مرحلة إدارة الوزارات واتخاذ القرارات داخل الحكومة.

كما أن نجاح تمرير المرشحين في البرلمان سيمثل اختباراً للتوافقات السياسية، وليس حكماً مسبقاً على قدرة التشكيلة الحكومية الجديدة على معالجة التحديات الاقتصادية والخدمية.

وحتى إعداد هذا التقرير، لم يتأكد إعلان نتائج التصويت المقرر اليوم، لذلك تبقى الأسماء والحقائب المتداولة خاضعة لما ستسفر عنه الإجراءات البرلمانية.

قراءة تحليلية.. حكومة أكثر اتساعاً أم رئيس وزراء أقل نفوذاً؟

تكشف المفاوضات بشأن استكمال حكومة الزيدي عن معادلة سياسية معقدة؛ فرئيس الوزراء يسعى إلى إنهاء ملف التشكيلة الوزارية وبدء مرحلة أكثر استقراراً، بينما تحاول القوى المشاركة في الحكومة ضمان حضورها في مواقع القرار.

وقد يحقق الاتفاق السياسي استقراراً مرحلياً من خلال احتواء مطالب الأطراف المختلفة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر توسيع دائرة الشركاء المؤثرين في القرار التنفيذي، الأمر الذي قد ينعكس على قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات حاسمة عند مواجهة الأزمات.

وتبقى المسألة الأكثر حساسية مرتبطة باستقلالية القرار الحكومي، خصوصاً في الملفات التي تحتاج إلى سرعة التنفيذ، مثل السياسة المالية والأمن والاستثمار والعلاقات الخارجية.

ومن هنا، فإن نجاح الزيدي في تمرير حكومته لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية الأزمة السياسية، بل ربما بداية اختبار أكثر تعقيداً يتعلق بإدارة التوازنات داخل السلطة التنفيذية.

وفي المحصلة، فإن السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس كم سيكلف العراق تعيين أربعة نواب لرئيس الوزراء، وإنما ما إذا كان هؤلاء النواب سيساعدون الزيدي على إدارة الدولة، أم سيصبحون أربعة مراكز نفوذ تفرض عليه التفاوض قبل اتخاذ كل قرار.

فالعبرة لن تكون بعدد المناصب التي يصادق عليها البرلمان، بل بمدى قدرة الحكومة على العمل بوصفها مؤسسة تنفيذية موحدة، لا مجموعة من الحصص السياسية المتنافسة.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى