انهيار شبه تام للقطاع المصرفي بسبب سياسة البنك المركزي العراقي!!

المستقلة/ تقرير/- يواجه القطاع المصرفي العراقي ما يصفه مصرفيون ومراقبون بأنه حالة “انهيار شبه تام” في الثقة والفاعلية، وسط اتهامات متصاعدة بأن سياسة البنك المركزي العراقي وإدارته للملفات الحساسة زادت الضغط على المصارف بدل أن تمنحها مساراً واضحاً للتعافي. وفي وقت تتداخل فيه القيود الخارجية مع هشاشة داخلية قديمة، تبدو الصورة في السوق أكثر قتامة مع استمرار الغموض الرسمي حول إصلاحات معلنة، يفترض أن تعيد الانضباط والشفافية إلى النظام المالي.

مصادر مصرفية مطّلعة قالت لـ “المستقلة”، إن المشكلة لم تعد محصورة بتحديات تشغيلية أو أخطاء متفرقة، بل تحولت إلى أزمة ثقة شاملة تغذيها قرارات متقلبة، وتواصل محدود، وغياب تحديثات أساسية تمسّ صلب عمل المصارف، ما يدفع المودعين والمستثمرين إلى التعامل بحذر، ويضعف قدرة المؤسسات على الاستمرار بشكل طبيعي.

رأس المال الغامض

أبرز نقاط التوتر تتعلق بملف رفع رؤوس الأموال ضمن الخطة الإصلاحية المعلنة. وحتى الآن، لا يرى متعاملون في السوق إعلاناً رسمياً محدثاً يوضح بوضوح من التزم بالمتطلبات ومن تعثر في تنفيذها. ويقول مصرفيون إن هذا الغموض يخلق بيئة مشوشة، لأن قوة رأس المال ليست تفصيلاً إدارياً، بل مؤشر مباشر على قدرة المصارف على امتصاص الصدمات وحماية الودائع.

قوائم بلا تحديث

في ملف القيود على التعامل بالدولار، تشير معطيات متداولة إلى أن القوائم المتعلقة بالمصارف المسموح لها أو المقيدة عن نافذة الدولار لم تُعرض بشكل محدث وواضح للرأي العام. ويضيف مصرفيون أن غياب التحديثات الرسمية جعل السوق يعتمد على روايات غير مؤكدة، ما يعمّق الارتباك ويحوّل كل إشاعة إلى عامل ضغط جديد على السمعة والودائع.

نافذة الدولار تضيق

تصف مصادر مصرفية نافذة الدولار بأنها “شريان” للعمليات الأساسية، وأن تضييق الوصول إليها، أو عدم وضوح قواعدها، ينعكس بسرعة على حركة المصارف وقدرتها على تلبية احتياجات الزبائن. وتقول المصادر إن بعض المؤسسات باتت تعمل ضمن هامش شديد الضيق، ما يرفع التوتر بين المصارف والزبائن ويزيد الحساسية تجاه أي تغيير مفاجئ في السياسة أو الإجراءات.

سيولة على الحافة

بحسب مصادر مصرفية، تواجه بعض المصارف أوضاعاً مالية صعبة، تتعلق بتوتر السيولة وصعوبة إدارة الالتزامات التشغيلية. وتضيف المصادر أن استمرار الضغط التنظيمي وغياب مسار معلن وشفاف للتصحيح قد يدفع بعض المؤسسات إلى تقليص نشاطها، أو الخروج من السوق تدريجياً، في مشهد يعيد إلى الأذهان حالات تراجع “صامت” شهدها القطاع في سنوات سابقة دون بيانات وافية أو توضيحات كافية للجمهور.

رقابة خارجية مشددة

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر أخرى عن مراقبة أشد، لا سيما في ملف الحوالات الخارجية، مع تشدد أكبر في تدقيق مصادر الأموال وآليات الامتثال. وتقول المصادر إن أي ثغرة في هذا الملف تضع المصارف تحت ضغط مزدوج: ضغط داخلي ناتج عن الإجراءات، وضغط خارجي مرتبط بالتدقيق والسمعة، ما ينعكس على كلفة العمل وسرعة إنجاز التحويلات، ويزيد شعور السوق بأن القطاع يعمل تحت “حصار” إداري ورقابي متصاعد.

تحذيرات دون كشف

مصادر متقاطعة تحدثت عن توجيه إنذار رسمي لأحد المصارف على خلفية ممارسات مرتبطة بالتلاعب بسعر الصرف، مع إبلاغ المصرف بالمخالفة عبر القنوات الرسمية. ورغم عدم إعلان التفاصيل للرأي العام، يرى مصرفيون أن هذه الوقائع، حين تبقى بلا توضيح شفاف، تتحول من إجراء رقابي إلى عامل يوسع الشكوك ويغذي القلق، لأن الجمهور لا يعرف حجم المشكلة ولا طريقة التعامل معها.

إصلاحات بلا نتائج

ورغم تكرار الحديث عن “خطة إصلاح القطاع المصرفي”، يرى مراقبون أن النتائج على الأرض لا تعكس خطاب الإصلاح. وتتمثل نقاط الخلل، وفق مصادر في السوق، في ضعف الإفصاح عن القوائم المرتبطة بالدولار، وغموض مصير المصارف غير الملتزمة بمتطلبات رأس المال، واستمرار علامات الاستفهام حول الامتثال في الحوالات، إضافة إلى تأثير ذلك على الثقة العامة والاستقرار المالي.

أزمة ثقة تتفاقم

يخلص مصرفيون ومراقبون إلى أن جوهر الأزمة الحالية هو الثقة قبل السيولة. فمع كل تأخير في تقديم معلومات دقيقة ومحدثة، تتراجع القدرة على تهدئة السوق، وتتسع مساحة الشائعات والتوقعات السلبية. ويؤكد هؤلاء أن استعادة الاستقرار تتطلب انتقالاً من البيانات العامة إلى الإفصاح التفصيلي المنتظم: قوائم واضحة، قواعد مفهومة، وتواصل مؤسسي يقلص الالتباس ويمنح السوق إشارات ثابتة.

ما المطلوب الآن

بحسب مصادر مصرفية، فإن مسؤولية تهدئة المشهد تقع على البنك المركزي العراقي عبر اتخاذه خطوات عملية، أبرزها إعلان محدث لقوائم المصارف المرتبطة بمتطلبات رأس المال، وتوضيح وضع المصارف في نافذة الدولار، وشرح معايير الامتثال وآليات التعامل مع المخالفات، بما يمنح الجمهور صورة واقعية عن المخاطر والإجراءات. من دون ذلك، يقول مصرفيون إن “الأسئلة ستبقى أكبر من الإجابات”، وسيظل القطاع المصرفي العراقي الحلقة الأضعف في الاقتصاد.

زر الذهاب إلى الأعلى