الانسداد السياسي في العراق.. ينعش الدعوات لحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة!

المستقلة/ تقرير/- عاد خيار حلّ مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات جديدة ليتصدر النقاش السياسي في العراق، مع استمرار الانسداد الذي عطّل استكمال الاستحقاقات الدستورية لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وبينما تُطرح الفكرة بوصفها مخرجاً لكسر الجمود، يرى معارضوها على أنها ورقة ضغط أكثر منها مساراً واقعياً، لأن تحقيقها يحتاج إلى توافقات سياسية معقدة وواسعة لا تبدو متاحة حتى الآن.

الانسداد الحالي يرتبط، في جوهره، بتعطل الحلقة الدستورية التي تبدأ بانتخاب رئيس الجمهورية وتنتهي بتكليف مرشح “الكتلة الأكبر” بتشكيل الحكومة. فرغم ان الدستور واضح ويضع انتخاب الرئيس بوصفه خطوة مفصلية تفتح الباب أمام التكليف، لكن البرلمان أخفق مراراً في عقد جلسة مكتملة النصاب لهذا الاستحقاق، ما أبقى المشهد معلّقاً عند نقطة واحدة، وأنتج سلسلة من التأجيلات التي تحولت تدريجياً إلى أزمة سياسية كاملة.

مصادر سياسية تعزو التعثر إلى تداخل ثلاثة مسارات متزامنة. المسار الأول يتمثل في الانقسام الكردي حول مرشح رئاسة الجمهورية، وهو خلاف عقيم لا يقتصر على الأسماء بقدر ما يعكس صراعاً على تموضع الإقليم وحصته داخل السلطة الاتحادية. ويؤدي هذا الانقسام، عملياً، إلى إضعاف فرص تحقيق النصاب، إذ تمنح متطلبات الحضور والتصويت المرتفعة للكتل قدرة على التعطيل عبر المقاطعة أو سحب التأييد في اللحظات الحاسمة.

المسار الثاني يتصل بإدارة البرلمان نفسها للاستحقاق، إذ عقد المجلس جلسات تشريعية في فترات مختلفة من دون إدراج فقرة انتخاب رئيس الجمهورية على جدول الأعمال، وهو ما يراه البعض على انه مؤشراً على غياب ضمانات النصاب أو غياب اتفاق مسبق، بينما يراه مؤيدوه قراءة واقعية تمنع الفشل المتكرر داخل القاعة. وفي الحالتين، فإن النتيجة واحدة: تأخر الاستحقاق وتزايد قناعة القوى بأن الانسداد بات بنيوياً وليس ظرفياً.

أما المسار الثالث، فيرتبط بتجدد المنافسة داخل “البيت الشيعي” حول اسم مرشح رئاسة الوزراء، بعد أن أظهرت الانتخابات عدم وجود كتلة قادرة على حسم تشكيل الحكومة منفردة. وضمن هذه المنافسة، تبرز أسماء جدلية تُستخدم أحياناً كورقة تفاوض وأحياناً كنقطة استقطاب، ما يرفع كلفة التوافق ويعقّد فرص بناء تحالف عابر للمكونات. فيما تذهب قراءات سياسية اخرى إلى أن صعوبة الاتفاق داخل المكون الأكبر تنعكس تلقائياً على بقية المسارات، لأن الشركاء الآخرين يربطون موقفهم من الرئاسة بتوازنات الحكومة المقبلة.

في ظل هذا الانسداد، اتجهت رئاسة البرلمان إلى المحكمة الاتحادية العليا بطلب تفسير دستوري يتعلق بالمدد والإجراءات المتصلة باستمرار موقع رئاسة الجمهورية عند تعذر انتخاب رئيس جديد. وينظر مراقبون إلى هذه الخطوة بوصفها محاولة لفتح “مخرج قضائي” يضمن استمرارية المؤسسات ويخفف ضغط المدد، وفي الوقت نفسه يضع إطاراً قانونياً يمنع تحوّل التعطيل إلى قاعدة دائمة.

لكن وفي موازاة المسار القضائي، بدأت ترتفع أصوات سياسية تتحدث عن مطلب حل البرلمان كخيار أخير. أنصار هذا الطرح يقدمونه باعتباره أداة لإعادة تفويض الشارع، وإنتاج توازنات جديدة قد تكسر استقطابات الكتل الحالية. في المقابل، يحذر معارضوه من أن الذهاب إلى انتخابات جديدة لا يضمن تغييراً جوهرياً، وقد يعيد إنتاج الخريطة ذاتها ببرلمان جديد وأزمة قديمة، خصوصاً إذا بقيت قواعد التحالفات والنصاب والاستحقاقات على حالها.

ويؤكد مختصون في الشأن الدستوري أن حل مجلس النواب ليس قراراً سياسياً بحتاً، بل إجراء مقيد بنصوص المادة (64) وبآليات تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وإجراءات برلمانية محددة، ما يجعل “الانتخابات الجديدة” احتمالاً سياسياً أكثر منه مساراً جاهزاً للتنفيذ. كما أن القوى الممثلة في البرلمان، حتى المتخاصمة منها، تمتلك مصلحة في تجنب خطوة قد تفقدها مقاعدها أو تعيد ترتيب تمثيلها، وهو ما يرفع عتبة الموافقة على الحل.

ولا تنفصل الأزمة عن البيئة الإقليمية والدولية التي تراقب مسار تشكيل الحكومة في بلد حساس أمنياً ومالياً. فالمواقف الخارجية، ولا سيما الأميركية، تُقرأ داخل بغداد كعامل ضغط إضافي على شكل الحكومة المقبلة، مع حديث متكرر عن تفضيل حكومة “قابلة للتعامل” والتحفظ على خيارات تُفسَّر بأنها توسّع نفوذ الفصائل المسلحة أو تعمّق الارتباط بمحور إقليمي بعينه. هذا العامل لا يحسم المعركة، لكنه يضيف طبقة أخرى من الحسابات أمام القوى المتفاوضة ويؤثر على سرعة التوافق وحدوده.

في المحصلة، تبدو الدعوات إلى حل البرلمان انعكاساً لحالة إنهاك سياسي أكثر منها قراراً نهائياً. فالمخرج الأقرب، وفق تقديرات بعض المتابعين، يبقى في القدرة على كسر عقدة رئاسة الجمهورية أولاً، لأنها المفتاح الدستوري لتكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة. أما حل البرلمان، فسيظل ورقة ضغط تُطرح مع كل موجة تعثر، ولن يتحول إلى مسار فعلي إلا إذا توافرت شروط قاسية: انسداد طويل يهدد عمل المؤسسات، توافق سياسي عريض على آلية الحل ومواعيد الانتخابات، وضمانات تمنع انتقال الأزمة نفسها إلى برلمان جديد يعيد إنتاج الانقسام.

زر الذهاب إلى الأعلى