الإمارات أكبر المصدّرين إلى العراق.. أرقام التجارة تكشف هشاشة الاقتصاد والقاعدة الإنتاجية

المستقلة/ أظهر جدول الدول المصدّرة إلى العراق أن الإمارات تتصدر قائمة الشركاء التجاريين من حيث السلع الموردة إلى السوق العراقية، في مؤشر يعكس اتساع الاعتماد على الخارج، ويكشف في الوقت نفسه عن هشاشة البنية الاقتصادية وضعف القاعدة الإنتاجية المحلية.

وبيّن الجدول، الذي أعدّه فريق الإصلاح الاقتصادي واطّلعت عليه المستقلة، أن الاقتصاد العراقي يعاني من ضعف واضح في قدرته الإنتاجية، وعدم كفاية القطاعات المحلية لتلبية الطلب الداخلي، وهو ما يفسر استمرار تأثره السريع بالمتغيرات الخارجية، سواء على مستوى التجارة أو سلاسل التوريد أو الأزمات الإقليمية والمالية.

ووفق البيانات، جاءت الإمارات في صدارة الدول المصدّرة إلى العراق بقيمة بلغت 25.40 مليار دولار، مستحوذة على 36.1 بالمئة من واردات العراق ضمن القائمة المعروضة، رغم تسجيل تراجع سنوي مقارنة بعام 2024. وحلت الصين في المرتبة الثانية بقيمة 17.21 مليار دولار وبحصة 24.4 بالمئة، تلتها تركيا بنحو 10.68 مليارات دولار وبحصة 15.2 بالمئة، ما يعني أن الجزء الأكبر من الواردات العراقية ما يزال متركزاً في عدد محدود من الشركاء.

وتكشف هذه الأرقام أن السوق العراقية لا تتحرك وفق قاعدة إنتاجية داخلية متماسكة، بل تعتمد إلى حد بعيد على الاستيراد لتغطية احتياجاتها الأساسية والاستهلاكية وحتى جزء مهم من احتياجاتها الصناعية. وهذا النمط لا يعبر فقط عن خلل في الميزان التجاري، بل عن اختلال أعمق في بنية الاقتصاد، حيث يتراجع دور الصناعة والزراعة والتحويل المحلي أمام تدفق السلع القادمة من الخارج.

وتزداد دلالة هذا الخلل عند النظر إلى تفاصيل الفئات السلعية المستوردة. فالصور المرفقة تظهر أن قائمة الواردات العراقية تتصدرها سلع ذات قيمة عالية وحساسية كبيرة في النشاط الاقتصادي والاستهلاكي، من بينها الآلات والمعدات الكهربائية بقيمة تقارب 9.52 مليارات دولار، والمركبات وقطع الغيار بنحو 8.31 مليارات دولار، والذهب والأحجار الكريمة بنحو 8.03 مليارات دولار، إضافة إلى الآلات الميكانيكية بقيمة 7.93 مليارات دولار. كما تشمل الواردات أيضاً الحديد والصلب ومنتجاتهما، والوقود ومنتجات النفط، واللدائن ومصنوعاتها، إلى جانب طيف واسع من السلع الغذائية والاستهلاكية والدوائية والمنزلية.

وتشير خريطة الفئات السلعية إلى أن الاعتماد على الخارج لا يقتصر على الكماليات أو السلع الثانوية، بل يمتد إلى قطاعات تمس الحياة اليومية والقاعدة الصناعية معاً. فالعراق يستورد الحبوب، والفواكه والمكسرات، والألبان والبيض، والأثاث والمفروشات، والملابس، والمستحضرات الصيدلانية، فضلاً عن المواد الأولية وبعض المدخلات الصناعية. وهذا الاتساع في هيكل الاستيراد يعكس ضيق القاعدة الإنتاجية المحلية وعجزها عن توفير بدائل وطنية قادرة على تغطية الطلب أو منافسة المنتج الأجنبي.

وفي هذا السياق، لا تبدو صدارة الإمارات مجرد نتيجة لحجم التبادل التجاري فحسب، بل مؤشراً على طبيعة السوق العراقية نفسها، بوصفها سوقاً مفتوحة بدرجة عالية أمام السلع المستوردة. كما أن العجز التجاري الكبير مع بعض الشركاء، وفي مقدمتهم الإمارات وتركيا، يؤكد أن العراق يشتري من الخارج أكثر بكثير مما يبيع، وهو ما يكرس اختلالاً مستمراً في العلاقة بين الاستيراد والإنتاج.

ورغم أن العراق يحقق فوائض تجارية مع بعض الدول الأخرى، فإن هذه الفوائض لا تعني بالضرورة متانة الاقتصاد الوطني، لأنها ترتبط في الغالب بطبيعة الصادرات النفطية، لا بتنوع القاعدة التصديرية أو قوة الصناعات الوطنية. وبعبارة أخرى، فإن العراق يموّل جزءاً كبيراً من استيراده عبر النفط، بينما تبقى القطاعات غير النفطية أقل قدرة على تكوين دورة دخل متماسكة داخل الاقتصاد.

وهذا الواقع يفسر لماذا يتأثر الاقتصاد العراقي سريعاً بأي تراجع في أسعار النفط، أو اضطراب في الممرات التجارية، أو تغير في الظروف الإقليمية والدولية. فحين يكون الاستيراد واسعاً إلى هذا الحد، وحين تكون الإيرادات معتمدة بدرجة كبيرة على مورد واحد، يصبح الاقتصاد أكثر عرضة للاهتزاز، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

كما تكشف البيانات أن التحدي لا يتعلق فقط بحجم الواردات، بل بنوعية السياسات الاقتصادية التي حكمت السوق خلال السنوات الماضية. فاستمرار استيراد هذا الكم الواسع من السلع يعني أن السياسات الصناعية والزراعية لم تنجح في بناء طاقات إنتاجية كافية، كما أن السوق بقيت تميل إلى الاستهلاك أكثر من ميلها إلى التشغيل والتصنيع والإحلال محل المستورد.

وتقود هذه المعطيات إلى خلاصة واضحة، مفادها أن هشاشة الاقتصاد العراقي ليست مسألة نظرية، بل حقيقة تعكسها الأرقام التجارية بصورة مباشرة. فكلما اتسعت قائمة السلع المستوردة، وتراجعت مساهمة الإنتاج المحلي، ازداد انكشاف الاقتصاد أمام الخارج، وتراجعت قدرته على بناء تنمية مستقرة ومستدامة.

وفي المحصلة، فإن تصدر الإمارات قائمة الدول المصدّرة إلى العراق يسلط الضوء على عمق الاعتماد التجاري الخارجي، لكنه يكشف أيضاً خللاً بنيوياً أوسع: اقتصاد واسع الاستيراد، محدود الإنتاج، شديد الحساسية للصدمات، ويحتاج بصورة عاجلة إلى إعادة بناء قاعدته الإنتاجية، وتحفيز الصناعة والزراعة، وربط التجارة الخارجية بمشروع تنموي حقيقي يعيد التوازن بين ما يستهلكه العراق وما ينتجه.

للاطلاع على تفاصيل الجداول اضغط هنا


زر الذهاب إلى الأعلى