إلى متى يستمر صعود سعر الصرف؟ وما انعكاساته المباشرة على العراقيين

المستقلة/ مقالات/ منار العبيدي/- شهدت الأيام الماضية ارتفاعًا ملحوظًا في سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، ليصل إلى مستويات غير مسبوقة في السوق الموازي، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الصعود وحدوده، ومدى تأثيره الفعلي على حياة المواطن اليومية.

السبب الجوهري لهذا الارتفاع لا يرتبط بنقص الدولار بقدر ما يرتبط بعدم قدرة قطاعات تجارية واسعة على الدخول ضمن القنوات النظامية للتحويل المالي. وفي مقدمة هذه القطاعات تجارة الملابس والأحذية والأثاث والسيارات المستعملة.
تكمن المشكلة في غياب هيكلية مؤسسية واضحة لسلاسل التوريد الخاصة بهذه الأنشطة. فغالبية المستوردين هم في الوقت نفسه أصحاب محلات بيع أو موزعون صغار، يفتقرون إلى كيانات قانونية وتنظيمية قادرة على تلبية متطلبات التحويل الرسمي والاستيراد المباشر. ونتيجة لذلك، ما زالوا يعتمدون على السوق الموازي لتوفير العملة الصعبة، وهو ما يولد ضغطًا مستمرًا يرفع سعر الصرف خارج الإطار الرسمي.

أمام هذا الواقع، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة للتطورات المقبلة:

الاحتمال الأول: استمرار الطلب المرتفع في السوق الموازي، ما يؤدي إلى مزيد من ارتفاع سعر الصرف هناك. ورغم ذلك، فقد أثبتت التجربة أن هذا الارتفاع لا ينعكس بشكل كبير على أسعار السلع الأساسية، ولا سيما الغذاء والدواء، حيث إن أكثر من 95% من تجار هذين القطاعين باتوا قادرين على التحويل عبر النظام الرسمي بسعر يقارب 1320 دينارًا للدولار، مما يحد من انتقال صدمات السوق الموازي إلى معيشة المواطن.

الاحتمال الثاني: أن تتجه الحكومة إلى إنشاء منصة خاصة لصغار التجار لشراء السلع من دول محددة، على أن تتولى الجهات الرسمية – كالبنك المركزي أو بعض المصارف الحكومية مثل مصرف التجارة العراقي – عمليات التسوية المالية المباشرة مع تلك الدول، دون أن يقوم التاجر نفسه بعملية التحويل.

الاحتمال الثالث (وهو الأقرب للواقع): تحوّل شركات الشحن والتخليص الكمركي إلى مستوردين فعليين، بحيث تقوم بعمليات الاستيراد والتحويل والتخليص، وتتحول من شريك لوجستي إلى شريك تجاري متكامل، وهو سيناريو مرشح للتوسع سريعًا إذا توفرت له التسهيلات التنظيمية والمصرفية اللازمة.

أما الرهان على دخول صغار التجار بشكل فردي إلى المنصة المالية الرسمية، فيبقى ضعيف الاحتمال في المدى القريب، لأسباب تتعلق بعدم جاهزيتهم القانونية والتنظيمية، فضلًا عن تركيز المصارف على كبار المستوردين نظرًا للكلفة التشغيلية العالية التي يتطلبها التعامل مع أعداد كبيرة من صغار المتعاملين.

من هنا، تبدو الدولة أمام خيارين واضحين: إما المبادرة بإيجاد حلول هيكلية تستوعب هذه الشرائح التجارية ضمن النظام المالي الرسمي، أو القبول باستمرار ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي وتحمل تبعاته إعلاميًا واجتماعيًا، قبل أن تكون اقتصادية.

الملف لم يعد تقنيًا بحتًا، بل أصبح اختبارًا لقدرة السياسات الاقتصادية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.

باحث بالشأن الاقتصادي

زر الذهاب إلى الأعلى