أزمة الطاقة في العراق تدخل مرحلة حرجة… توقف الغاز الإيراني يعمّق العجز ويضع الحكومة أمام اختبارات صعبة

المستقلة /- دخلت أزمة الطاقة في العراق منعطفاً أكثر تعقيداً، بعد إعلان وزارة الكهرباء عدم وجود مؤشرات قريبة على استئناف إمدادات الغاز الإيراني، الذي يغطي ما بين 30 إلى 40% من احتياجات البلاد من الوقود المستخدم لتشغيل محطات توليد الكهرباء. ويأتي هذا التطور في وقت فقدت فيه المنظومة الوطنية ما يقارب 4500 إلى 5000 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية، ما خفّض حجم الإنتاج المتاح إلى حدود 18 – 18.5 ألف ميغاواط، مقابل طلب فعلي يقترب من 40 ألف ميغاواط.

هذا العجز الواسع انعكس مباشرة على ساعات التجهيز، وفرض ضغوطاً إضافية على الحكومة العراقية، التي تجد نفسها أمام سباق مع الزمن لإيجاد حلول عاجلة تمنع تفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة، بالتوازي مع البحث عن معالجات استراتيجية تقلل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.

السوداني: مسارات طويلة الأمد لمعالجة الأزمة

رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني أكد أن الحكومة تتعامل مع ملف الطاقة عبر مسارات متعددة تشمل التوسع في استثمار الغاز المصاحب والغاز الحر، وزيادة إنتاج الكهرباء، إلى جانب المضي بمشاريع الطاقة المتجددة، بهدف تحقيق أمن الطاقة والتنمية المستدامة.

وأوضح السوداني أن نسبة إيقاف حرق الغاز تجاوزت 72%، مع خطة للوصول إلى الإيقاف الكامل بحلول عام 2028، فضلاً عن تنفيذ مشاريع بنى تحتية تعزز القدرة التصديرية وتنويع المنافذ، إلى جانب حوارات متقدمة مع شركات عالمية لتنفيذ مشاريع كبرى في قطاع الطاقة، وإنشاء منصة ثابتة لاستيراد أو تصدير الغاز مستقبلاً.

بدوره، أكد وزير النفط حيان عبد الغني أن نسبة الغاز المستثمر وصلت إلى نحو 74%، مشيراً إلى استمرار العمل على مشاريع استثمار الغاز المصاحب والغاز الحر، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد ودعم تشغيل محطات الكهرباء.

فجوة تشغيلية تضغط على الشبكة

رغم هذه الخطط، إلا أن الواقع التشغيلي يكشف عن فجوة كبيرة بين الطموحات والقدرة الفعلية على تلبية الطلب. المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى أوضح أن فقدان الغاز المستورد تسبب بخسارة نحو 5000 ميغاواط من الإنتاج، خصوصاً في المناطق الوسطى والجنوبية، بالتزامن مع انخفاض درجات الحرارة، ما زاد الضغط على الشبكة الكهربائية.

وبيّن أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 18 – 18.5 ألف ميغاواط، مقابل حاجة تقارب 40 ألف ميغاواط، وهو ما يفسر اتساع فجوة التجهيز وتراجع ساعات الكهرباء في أغلب المحافظات.

وأشار موسى إلى أن الوزارة تعمل على عدة محاور تشمل تسريع أعمال الصيانة للوحدات التوليدية، وتأمين الوقود البديل بالتنسيق مع وزارة النفط، وتنفيذ مناورات مدروسة للأحمال، إلى جانب الاستفادة من الغاز المنتج محلياً، والاعتماد الجزئي على الربط الكهربائي مع دول الجوار.

حلول مؤقتة… وكلفة عالية

من جانبه، أكد رئيس مركز العراق للطاقة فرات الموسوي أن المعالجة السريعة تتطلب تعظيم الاستفادة من المحطات العاملة بالوقود السائل، بما قد يضيف أكثر من 1000 ميغاواط، إلا أن هذا الخيار يرافقه ارتفاع في الكلفة التشغيلية وانخفاض في كفاءة التوليد بنسبة قد تصل إلى 40%، فضلاً عن زيادة الانبعاثات البيئية.

أما الخبير كوفند شيرواني فحذّر من أن استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة سيضاعف الأعباء الاقتصادية والبيئية، مشدداً على ضرورة تسريع مشاريع استثمار الغاز المصاحب، والاستفادة من بعض كميات غاز إقليم كردستان ضمن أطر تنظيمية واضحة، إضافة إلى التوسع السريع في مشاريع الطاقة الشمسية.

تحدٍ مزدوج: إنقاذ عاجل وبناء استراتيجي

يبقى العراق أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في إدارة الأزمة الحالية ومنع انهيار ساعات التجهيز، بالتوازي مع بناء بنية تحتية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة خلال السنوات المقبلة. وتشير التقديرات إلى أن الاستثمار الجاد في الغاز المحلي والطاقة المتجددة والربط الإقليمي يمثل المفتاح الحقيقي لتقليل الاعتماد على الاستيراد الإيراني وتحقيق الاستقرار الطاقوي.

وفي ظل استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية، فإن أي تأخير في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية قد يبقي البلاد رهينة للأزمات الموسمية والتقلبات الإقليمية، ما يجعل ملف الطاقة أحد أخطر التحديات التي تواجه الحكومة العراقية في المرحلة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى