طريق التنمية والكهرباء الخليجية: هل تُنقذ الورقة الاقتصادية العلاقة السعودية-العراقية؟

بغداد — في الوقت الذي تتراكم فيه الملفات الدبلوماسية الشائكة بين بغداد والرياض — من أزمة أداء السفير الشمري، إلى فيديو السفيرة في الرياض، إلى هجمات المسيّرات — يسعى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى فتح باب موازٍ يعتقد أنه قد يُنتج نتائج أكثر ثباتاً واستدامة من أي مقاربة أمنية أو دبلوماسية بحتة: باب الاقتصاد. فهل يستطيع المال والمصلحة المشتركة أن يُصلحا ما أفسدته السياسة على مدى سنوات؟
العراق والسعودية: مصالح أكبر من الأزمات
خلف الجدل الدبلوماسي والحساسيات المتراكمة، ثمة بنية مصالح مشتركة بين البلدين لا يمكن تجاهلها. العراق يمتلك نفطاً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وسوقاً واعداً، والسعودية تملك رأس مال ضخماً وشركات متطورة وإرادة توسع اقتصادي في إطار رؤية 2030 التي تجعل من الانفتاح الإقليمي حاجة لا خياراً. ومن هذا المنطلق تحديداً يبني الزيدي رهانه.
طرح الزيدي: المشاريع بديلاً للسلاح
في مكالمة هاتفية مع المبعوث الأمريكي توم براك، عرض رئيس الوزراء علي الزيدي مقترحاً لافتاً: إنشاء مشاريع خدمية واستثمارية داخل العراق تنفذها شركات أمريكية، لضمان نجاح ملف حصر السلاح. الفكرة أن توفير فرص عمل حقيقية ومشاريع إنتاجية لعناصر الفصائل يُقلص احتمال التصعيد أو الرفض الداخلي لهذا الملف. وهي معادلة تنطبق في جوهرها على المقترح السعودي أيضاً: الاستثمار كجسر تطبيع وليس كمجرد صفقة مالية.
وفي هذا السياق، يُشكّل مشروع “طريق التنمية” العراقي فرصة استراتيجية استثنائية. فهذا الطريق، الذي يربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالحدود التركية مروراً بأراضٍ عراقية، من شأنه أن يُحوّل العراق إلى ممر تجاري دولي ضخم يُعيد رسم خارطة الموقع الجغرافي للمنطقة. ولا تستطيع السعودية كجارة كبرى وفاعل اقتصادي إقليمي أن تبقى خارج هذه المنظومة إذا أرادت أن تُحافظ على ثقلها في الملف الاقتصادي العراقي.
الكهرباء الخليجية: ورقة مشتركة في زمن الأزمات
من بين الملفات الأكثر قابلية للتحقيق على المدى القريب، يبرز مشروع الربط الكهربائي مع دول الخليج. العراق الذي يعاني من فجوة بين إنتاج 29 ألف ميغاواط وطلب يتجاوز 50 ألفاً، يحتاج ماساً إلى مصادر إمداد بديلة، فيما تملك دول الخليج طاقة إنتاجية فائضة يمكن تصديرها. المشروع كان مقرراً لأواخر 2026 لكنه تأجّل، والمتابعون يرون أن إنجازه يمكن أن يُشكّل نقطة تحول حقيقية في العلاقة، لأن الطاقة حين تصبح تبادلاً يومياً يتجاوز البيانات والزيارات الرسمية.
ما الذي يعيق التحوّل الاقتصادي؟
لكن هذا الرهان الاقتصادي يواجه عقبات بنيوية لا يمكن القفز عليها بالإرادة السياسية وحدها. أولها: الشفافية في ملفات الاستثمار. فكما أشارت مصادر وثيقة الصلة بالملف لـ”المستقلة”، أن غياب الوضوح حول الشركاء المحليين وآليات منح الفرص الاستثمارية حوّل بعض المشاريع السعودية المعلنة من جسر تقارب إلى مصدر تساؤلات، وأن ملف الاستثمار قرب مطار بغداد وفي مناطق حساسة أثار أسئلة لم تجد إجاباتها الكاملة حتى الآن.
وثانيها: مسألة الفصائل المسلحة. فأي استثمار سعودي — أو خليجي عموماً — يحتاج إلى بيئة أمنية تضمن سلامة المشاريع والعاملين فيها. وطالما بقي ملف السلاح خارج إطار الدولة عائقاً في الأفق، يبقى رأس المال متحفظاً وحذراً تجاه العراق كوجهة استثمارية أولى.
حكومة الزيدي: رهان على الاقتصاد لتسوية الأمن
ربما لا يكون مصادفة أن الزيدي، الرجل ذا الخلفية الاقتصادية والمصرفية، يُؤطّر ملف حصر السلاح نفسه بلغة اقتصادية. حين يقول لمبعوث ترامب “توفير المشاريع ضروري لنجاح نزع السلاح”، فهو يُعلن صراحةً أن خياره الاستراتيجي هو تحويل الأزمة الأمنية إلى فرصة اقتصادية، وربط مسار الفصائل بمسار التنمية.
وإذا نجح هذا الرهان — وهو رهان كبير يحتاج شروطاً كثيرة — فإنه قد يُتيح للسعودية كذلك إعادة تموضعها في العراق: ليس كطرف تراقب الأزمات وتتأثر بها، بل كشريك يُساهم في صياغة مرحلة مختلفة من العلاقة تقوم على المصالح المتشابكة لا على ملفات التوتر المتراكمة.
الأسئلة الشائعة
ما مشروع طريق التنمية العراقي؟
مشروع استراتيجي يربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالحدود التركية مروراً بالأراضي العراقية، يهدف إلى تحويل العراق إلى ممر تجاري دولي ضخم.
ما مشروع الربط الكهربائي بين العراق والخليج؟
مشروع يستهدف إمداد العراق بطاقة كهربائية من دول الخليج التي تملك فائضاً، لمعالجة أزمة الكهرباء المزمنة. تأجّل الإنجاز لأواخر 2026 أو مطلع 2027.
ما رهان الزيدي في ملف حصر السلاح؟
يسعى الزيدي إلى ربط ملف حصر السلاح بمشاريع اقتصادية واستثمارية تُوفر بدائل عملية لعناصر الفصائل، لتحويل الأزمة الأمنية إلى تسوية اقتصادية-سياسية أوسع.
