
79 مصرفاً في العراق… هل يتحمل البنك المركزي مسؤولية تضخم القطاع وضعف الرقابة؟
المستقلة/- يتزايد الجدل في الأوساط الاقتصادية حول واقع القطاع المصرفي في العراق، في ظل وجود نحو 79 مصرفاً عاملاً بين حكومي وأهلي وأجنبي، وهو رقم يُعد مرتفعاً قياساً بحجم الاقتصاد الوطني ومستوى الشمول المالي الفعلي. ورغم هذا العدد الكبير، فإن النشاط الحقيقي يتركز عملياً في عدد محدود من المصارف، بينما تعاني مؤسسات أخرى من ضعف في قاعدة العملاء، أو محدودية في الإقراض، أو خسائر متكررة تُطرح بشأنها علامات استفهام واسعة.
القطاع المصرفي العراقي، كما تكشفه المؤشرات المتداولة خلال الأعوام الأخيرة، لا يعاني من نقص في عدد المؤسسات بقدر ما يواجه أزمة نموذج عمل. فالمصارف الحكومية تستحوذ على الحصة الأكبر من الودائع، ولا سيما تلك المرتبطة برواتب القطاع العام والحسابات الحكومية، فيما تعتمد شريحة واسعة من المصارف الأهلية على نشاط التحويلات ونافذة بيع العملة الأجنبية أكثر من اعتمادها على الإقراض التنموي أو تمويل المشاريع الإنتاجية. هذا الخلل البنيوي جعل السوق المصرفية تبدو متخمة عدداً، لكنها محدودة التأثير اقتصادياً.
وفي هذا السياق، وجّهت وكالة الصحافة المستقلة مجموعة أسئلة إلى البنك المركزي العراقي تتعلق بآليات التقييم السنوي لأداء المصارف، والمعايير المعتمدة لاحتساب الأرباح والخسائر، ومدى دقة هذه المؤشرات في عكس النشاط الحقيقي لبعض المؤسسات. إذ تشير بيانات مالية سابقة إلى أن عدداً من المصارف يسجل خسائر متكررة أو أرباحاً محدودة لا تنسجم مع رأس المال المعلن، ما يثير تساؤلات حول جودة الأصول، ومستوى الامتثال، وقدرة الإدارة على تحقيق عوائد مستدامة.
كما يبرز تساؤل جوهري حول المصارف التي تعاني من ضعف في قاعدة العملاء أو محدودية الانتشار الجغرافي والخدمات الرقمية، في وقت يشهد فيه العالم تحولاً متسارعاً نحو المصرفية الإلكترونية والتكنولوجيا المالية. فضعف الثقة بالمصارف، واعتماد نسبة كبيرة من الكتلة النقدية على التداول خارج النظام المصرفي، يعكسان أزمة أعمق تتعلق بثقافة الادخار، وفعالية الخدمات، وتجارب سابقة أضعفت ثقة الجمهور بالقطاع.
التحديات لا تقتصر على الأداء الداخلي للمصارف، بل تمتد إلى البيئة التنظيمية والضغوط الدولية. فقد شهدت السنوات الأخيرة تشديداً في معايير الامتثال والرقابة، خاصة فيما يتعلق بالتحويلات الخارجية ومكافحة غسل الأموال، ما أدى إلى استبعاد أو تقييد نشاط بعض المصارف في التعاملات الدولية. هذا الواقع وضع القطاع أمام اختبار مزدوج: الامتثال للمعايير العالمية من جهة، والحفاظ على استمرارية النشاط المحلي من جهة أخرى.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الأسئلة بشأن ما إذا كان العدد الحالي من المصارف يتناسب مع حجم الاقتصاد العراقي، أو ما إذا كانت السوق بحاجة إلى عملية “فرز” تنظيمي تعيد ترتيب المشهد المصرفي. خيارات الدمج أو إعادة الهيكلة أو حتى الإغلاق المنظم تظل مطروحة نظرياً، لكن أي خطوة في هذا الاتجاه تتطلب توازناً دقيقاً بين تعزيز الاستقرار المالي ومنع حدوث صدمات في الثقة أو السيولة.
كما يُطرح تساؤل حول رؤية البنك المركزي للسنوات المقبلة: هل يسير القطاع نحو إصلاح تدريجي يعالج مواطن الضعف من الداخل، أم أن الضغوط الاقتصادية والرقابية قد تفرض إعادة تشكيل أوسع للبنية المصرفية؟ وهل توجد دراسات رسمية تقيم الحاجة الفعلية للسوق، وتحدد الحد الأدنى من المعايير التي تضمن بقاء المصرف قادراً على العمل بفاعلية؟
الواقع الحالي يكشف مفارقة واضحة: قطاع مصرفي واسع من حيث العدد، لكنه محدود في دوره التنموي؛ سيولة نقدية كبيرة خارج النظام المصرفي، مقابل حاجة ملحة لتمويل الاستثمار والإنتاج؛ ومصارف متعددة، لكن الثقة الشعبية بها ما تزال دون المستوى المطلوب. وبين هذه المعادلات، يقف البنك المركزي أمام مهمة معقدة تتمثل في تحقيق التوازن بين الاستقرار والإصلاح، وضمان أن يكون القطاع المصرفي رافعة حقيقية للاقتصاد لا مجرد وسيط في حركة الدولار والتحويلات.
وتؤكد وكالة الصحافة المستقلة أنها بانتظار رد البنك المركزي العراقي على الأسئلة الموجهة بشأن آليات التقييم ومستقبل المصارف المتعثرة وخطط إعادة الهيكلة المحتملة، وستقوم بنشر أي توضيحات رسمية في إطار مهني يضمن الشفافية وحق الرد لجميع الأطراف المعنية.





