
وفاة الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس عن عمر يناهز 96 عاما
المستقلة/-توفي الفيلسوف الألماني البارز يورجن هابرماس، السبت، عن عمر ناهز 96 عامًا، وفق ما أعلنت دار النشر الألمانية زوركامب استنادًا إلى معلومات من عائلته. ويُعد هابرماس أحد أبرز فلاسفة العصر الحديث ومن أهم رموز مدرسة فرانكفورت في الفكر النقدي، حيث ترك إرثًا فكريًا واسعًا تجاوز خمسين مؤلفًا في الفلسفة والنظرية الاجتماعية والسياسية، ما جعله يُوصف في الأوساط الأكاديمية الغربية بـ«ضمير ألمانيا الحديثة».
ويُعد هابرماس واحدًا من أكثر الفلاسفة تأثيرًا في الفكر المعاصر، إذ جمعت أعماله بين الفلسفة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والقانونية. واهتمت كتاباته بتحليل طبيعة المجتمع الحديث ودور التواصل والخطاب العام في تشكيله، حيث قدّم أطروحته الشهيرة حول الفعل التواصلي والمجال العام باعتبارهما عنصرين أساسيين لفهم الديمقراطية الحديثة وتطور المجتمعات.
وُلد هابرماس عام 1929 في مدينة دوسلدورف الألمانية، وبدأ مسيرته الأكاديمية بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد سنوات قليلة قضاها في جامعة هايدلبرغ، تولّى عام 1964 كرسي الفيلسوف الألماني ماكس هوركهايمر للفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة فرانكفورت. وقد تحولت محاضرته الافتتاحية عام 1968 إلى كتابه المعروف «المعرفة والمصلحة»، الذي أصبح أحد الأعمال المرجعية في الفلسفة الاجتماعية.
وخلال فترة الاحتجاجات الطلابية في ستينيات القرن العشرين، كان يُنظر إلى هابرماس في البداية كداعم للحركة الطلابية، لكنه سرعان ما انتقد راديكاليتها وتطرف بعض مواقفها. وفي عام 1971 انتقل إلى مدينة شتارنبرغ قرب ميونخ، حيث تولّى إدارة معهد تابع لـ جمعية ماكس بلانك للأبحاث، والمتخصص في دراسة ظروف معيشة العالم العلمي والتقني، وظل في هذا المنصب حتى عام 1981.
وخلال تلك الفترة نشر أحد أهم أعماله الفلسفية، وهو كتاب «نظرية الفعل التواصلي» الذي رسّخ مكانته كأحد أبرز منظري الفكر الاجتماعي في القرن العشرين. ثم عاد عام 1983 إلى فرانكفورت ليشغل مجددًا كرسي الفلسفة حتى تقاعده عام 1994.
ترك هابرماس إرثًا فكريًا غنيًا يضم عشرات الكتب والدراسات المؤثرة، من بينها «منطق العلوم الاجتماعية» (1967)، و«نحو مجتمع عقلاني» (1967)، و«التواصل وتطور المجتمع» (1976)، و«الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي» (1983)، إضافة إلى كتابه المتأخر «تاريخ الفلسفة» (2019). وقد حصل على العديد من الجوائز والتكريمات الدولية تقديرًا لإسهاماته في الفلسفة والنظرية الاجتماعية.
ورغم المكانة الفكرية الرفيعة التي حظي بها، ظل إرث هابرماس موضوعًا للنقاش، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الفلسفة والسياسة ودور المثقف في القضايا العالمية المعاصرة. ففي سنواته الأخيرة التي قضاها على ضفاف بحيرة شتارنبرغ، واصل طرح آرائه حول عدد من القضايا السياسية والفكرية، من بينها حرب كوسوفو وأبحاث الدماغ والصراعات الدينية.
وتأتي وفاته في وقت أثار فيه موقفه الأخير من الحرب على غزة جدلًا واسعًا في الأوساط الفكرية. ففي بيان مشترك وقّعه مع عدد من المفكرين الألمان، أدان هابرماس الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل، واعتبر أن رد إسرائيل يندرج ضمن ما وصفه بـ«المواقف الأخلاقية والسياسية».
غير أن هذا الموقف قوبل بانتقادات من بعض الباحثين والمثقفين، الذين رأوا أنه يمثل انحيازًا سياسيًا ويتناقض مع مبادئه الفلسفية القائمة على النقد الشامل والتحليل المتجرد ووصفوا ذلك بـ”السقوط الأخلاقي”. وأشار منتقدوه إلى مواقفه السابقة المناهضة للحروب، مثل معارضته للحرب الأمريكية على فيتنام في سبعينيات القرن الماضي، حيث وصفها آنذاك بأنها حرب غير مشروعة واعتبرها تعبيرًا عن عدوانية الرأسمالية.
وبين الإشادة بإرثه الفكري الكبير والجدل حول مواقفه السياسية الأخيرة، يبقى يورغن هابرماس أحد أبرز الفلاسفة الذين تركوا أثرًا عميقًا في الفلسفة المعاصرة وفي فهم طبيعة المجتمع الحديث ودور الحوار العقلاني في الحياة العامة.





