
وثائق أميركية: سقوط الموصل لم يكن مفاجأة… والمالكي كان «مشكلة مركزية»
المستقلة/- تكشف وثائق أميركية رسمية، نُشرت ضمن ما يُعرف بـ«وثائق إبستين» الصادرة عن وزارة العدل الأميركية، أن سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش في حزيران/يونيو 2014 لم يكن صدمة استخبارية داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، كما جرى الترويج لاحقاً، بل كان سيناريو محذَّراً منه بشكل مبكر داخل النخب السياسية والأمنية الأميركية.
وتشير الوثائق، التي تعود إلى الفترة ما بين 2011 و2014، إلى أن الملف العراقي كان حاضراً بقوة في النقاشات المغلقة لمراكز بحثية ومؤسسات سياسية أميركية، أبرزها «مجموعة أسبن الاستراتيجية»، إضافة إلى مراسلات إلكترونية وتقارير أعدها دبلوماسيون سابقون وباحثون وأعضاء كونغرس وعسكريون خدموا في العراق.
ويظهر اسم رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في أكثر من مئة وثيقة، وُصف فيها بأنه «حليف صعب»، و«مشكلة بنيوية» في العملية السياسية، و«عامل رئيسي في إضعاف مؤسسات الدولة»، ولا سيما الجيش والشرطة، بسبب تركيز السلطة بيده واتباعه نهجاً طائفياً في إدارة الدولة بعد عام 2010.
وبحسب هذه الوثائق، فإن المالكي كان يُنظر إليه داخل دوائر أميركية واسعة بوصفه «عاملاً مفجراً من الداخل»، نتيجة سياسات الإقصاء والاعتقالات واستهداف الخصوم السياسيين، وتفكيك قوات الصحوات، وتأجيل الانتخابات المحلية، وتسخير مؤسسات الدولة في الصراع السياسي، الأمر الذي أدى – وفق التقديرات الأميركية – إلى إعادة إنتاج البيئة التي سمحت بعودة التنظيمات المتطرفة.
وفي وثائق صادرة عن اجتماعات «مجموعة أسبن الاستراتيجية» عام 2014، نُقلت إفادات عن السفير الأميركي الأسبق في العراق رايان كروكر، أكد فيها أن العراق كان «يقف على حافة الهاوية من جديد»، محذراً من أن سلوك حكومة المالكي بعد أحداث الحويجة عام 2013 دفع شيوخ عشائر كانوا يدعون إلى التهدئة نحو تبني خيار المواجهة المسلحة.
كما تصف وثائق أخرى المالكي بأنه «المشكلة المركزية في العراق»، بسبب سياساته تجاه السنّة، واعتماده خطاباً طائفياً، واستدعاء التاريخ ولغة الكراهية، إضافة إلى تفكيك التوازنات السياسية التي كانت تمنع عودة تنظيم القاعدة.
وتكشف نشرات إحاطة داخلية صادرة عن مكتب الدبلوماسي الأميركي السابق تيري لارسن، في خريف 2013، أن تنظيم «القاعدة في العراق» كان يعيد بناء قدراته، مستفيداً من الانسحاب الأميركي ومن تطورات الحرب في سوريا، مع تحذير صريح من تحوّله إلى كيان عابر للحدود يمتد من غرب العراق إلى شمال سوريا، في توصيف يكاد يطابق لاحقاً شكل تنظيم داعش.
وفي نشرة مؤرخة في 17 كانون الثاني/يناير 2014، أي قبل سقوط الموصل بنحو خمسة أشهر، جرى توصيف تنظيم «الدولة الإسلامية» على أنه تنظيم يسعى إلى فرض السيطرة على الأرض وليس مجرد تنفيذ هجمات، ولا يعترف بالحدود بين العراق وسوريا.
وتؤكد الوثائق أن النهج الطائفي لحكومة المالكي، وضعف مؤسسات الجيش، وانتشار الفساد، إلى جانب تصاعد نفوذ المليشيات، كانت عوامل معروفة ومشخَّصة داخل المؤسسات الأميركية قبل عامين على الأقل من سقوط الموصل.
ورغم هذا الكم من التحذيرات، تُظهر الوثائق أن القرار السياسي في واشنطن تجاهل هذه المؤشرات أو لم يتعامل معها بالجدية المطلوبة. وتنتقد مراسلات داخلية إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، معتبرة أن العراق لم يعد أولوية سياسية، في ظل انشغال الإدارة بالملف النووي الإيراني وبالحرب في سوريا.
وتذهب إحدى الوثائق الصادرة في عام 2014 إلى أن الخطاب الطائفي في العراق أصبح «سياسة حكم»، وليس مجرد انفلات أمني، وتربط بشكل مباشر بين سياسات الاعتقال الواسعة، واستهداف القيادات السنية، وتأجيل الانتخابات المحلية، وبين عودة التنظيمات الجهادية.
وفي وثيقة مؤرخة في حزيران/يونيو 2014، بعد أيام من سقوط الموصل، ورد توصيف لما جرى على أنه «تمرد سنّي واسع استغله تنظيم داعش»، في إشارة إلى فقدان حكومة المالكي شرعيتها لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
وتتكرر في الوثائق الإشارة إلى إيران بوصفها المستفيد الأكبر من الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأميركي عام 2011، حيث دعمت طهران المالكي سياسياً وأمنياً، وفعّلت دور المليشيات تحت عنوان محاربة الإرهاب، لكنها – بحسب الوثائق – أسهمت في تعميق الانقسام الطائفي ودفع شرائح واسعة من السنّة نحو مزيد من التطرف.
كما تتعامل الوثائق مع قرار الانسحاب الأميركي من العراق بوصفه قراراً سياسياً اتُّخذ مع معرفة مسبقة بالمخاطر، إذ توثق نقاشات داخل واشنطن حذّرت من أن الانسحاب الكامل سيفتح الباب أمام تصاعد النفوذ الإيراني وعودة التنظيمات المتطرفة.
وتخلص هذه الوثائق إلى أن سقوط الموصل لم يكن حدثاً مفاجئاً داخل الدوائر الأميركية، بل نتيجة مسار طويل من الإخفاقات السياسية والأمنية، في مقدمتها سياسات الإقصاء والطائفية التي انتهجتها حكومة نوري المالكي، مقابل عجز – أو تجاهل – أميركي لتحويل التحذيرات المبكرة إلى ضغط سياسي حقيقي على بغداد.
وفي الخلاصة، تعكس وثائق إبستين قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من النخب الأميركية بأن الدولة العراقية كانت تتجه نحو الهشاشة والانقسام، وأن الطائفية حلّت محل السياسة، وأن النفوذ الإيراني تمدد في الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي، وأن هزيمة التنظيمات المتطرفة عسكرياً لا يمكن أن تكون مستدامة ما لم تُهزم الأسباب السياسية والاجتماعية التي أنتجتها.





